آيات عرابي تكتب | العسكر العرصستانية!!

 

 

اسطنبول: القرن التاسع عشر الرابع عشر من يونيو عام 1826, المدينة المطلة على قارتين ذات الشوارع الواسعة المحاطة بالأشجار على الجانبين, والسفن الشراعية تبحر في مضيق البوسفور بمياهه شديدة الزرقة وتصل إلى آذان البحارة أصوات انفجارات مكتومة قادمة من تلك المدينة التي ظلت تحكم العالم لقرون, وفي وسط المدينة يقف السلطان محمود الثاني ومعه قائد المدفعية العثمانية على جواده خارج ميدان الرماية يراقب طلقات المدافع التي تهبط على ثكنات الانكشارية, النيران تتصاعد من ثكناتهم وتعلو معها أصوات صراخهم والميدان محاصر بستين الفاً من القوات الموالية للسلطان العثماني, محمود الثاني يبدو هادئاً مستمتعاً بأصوات صراخ الانكشارية المتعالية والدخان والنار يملأ المكان بينما السلطان ثابت لا يهتز, الانكشارية كالفئران الحبيسة داخل مصيدة لا يملكون الخروج وليس لديهم خيار الا انتظار قذائف المدفعية الامبراطورية, المذبحة تضع حداً لتمرد عسكر الانكشارية الذين كانوا صداعاً مريراً يزعج السلطان محمود الثاني ومن قبله, بدا السلطان هذه المرة عازماً على شطبهم نهائياً من سجل الخلافة العثمانية, دقائق وخمدت أصوات الصراخ وان لم يتوقف الدخان عن التصاعد والسنة اللهب الحمراء تأكل ثكناتهم جزاءاً بما أفسدوا وقتلوا ونهبوا.

القاهرة: القرن الحادي والعشرين, حشود بمئات الآلاف تهتف برغم تأخر الوقت, لا احد ينام في تلك الليلة, القاهرة بأكملها مستيقظة, سيارة نقل كبيرة مكشوفة تشق طريقها بصعوبة وبطء بين الحشود التي تحمل مشاعل وبدا الأمر كالاحتفالات الأسطورية, على ظهر السيارة قفص كبير يضم 19 شخصاً يرتدون الزي العسكري الكامل, ومعهم شخص أحول يرتدي زي الشرطة برتبة لواء, العسكريين داخل القفص يغطون وجوههم, والحشود حول السيارة يعلو صوتها بالسباب, نبرة التشفي واضحة, تتعالى أصوات الطوفان البشري المحيط بالسيارة النقل التي تتحرك حركة مليمترية في محاولة للوصول إلى ميدان رابعة القريب هادرة, الهتافات تتعالى ( اعدام يا عرص ), البعض يبصق على السيارة والبعض لا يتوقف عن السباب والبعض الآخر يرشقها بالقمامة والزجاجات الفارغة والبيض وحبات الطماطم, وعناصر من قوات أمن شعبية تم تشكيلها على عجل تحاول منعهم من الوصول للسيارة, التليفزيون الرسمي للدولة يبث المشهد على العالم الذي لا يصدق ما يراه على الشاشة, مسيرات مليونية بمحافظات مصر والجميع يحملون المشاعل ويقفون امام الشاشات ليتابعوا المشهد, البعض لجأ للمذياع ليتابع ما يحدث, القنوات الخاصة صامتة بالكامل بعد ان انقطعت اشاراتها ولا أحد يعلم على وجه الدقة ما الذي أوقف إشارة البث بها بينما قال البعض أنه شاهد السنة لهب ضخمة تتصاعد من تلك المدينة في منطقة اكتوبر, سيارات كثيرة تحاول الوصول إلى مطار القاهرة, ولكن قوات الأمن الشعبية توقفهم على جانب الطريق وتمنعهم من العودة والمطار مغلق أمام حركة الطيران. مذيعة القناة الأولى تدخل في حالة انهيار وبكاء هيستيري على الهواء وترتعد أمام الكاميرات من الموقف, يسرع أحد الشبان في الاستوديو ليأخذ مقعدها لتستمر التغطية, والكاميرات ما تزال تنقل صور السيارة التي تتحرك ببطء أقل الآن, هتاف ( اعدام يا عرص ) يملأ الهواء, المذيع يتحدث عن وجه الشبه بين العسكر الانكشارية والعسكر العرصستانية, والكاميرا تقترب من المنصة التي اقيمت خصيصاً للرئيس مرسي في ميدان رابعة, وجهه جامد لا تعلوه أي تعبيرات, جو عام من الانتقام يسود الموقف, السيارة تصل إلى المنصة وقوات الأمن الشعبي تقيم حولها سياجاً محكماً لكيلا تفتك الجماهير بهم, البعض يبصق عليهم ووسط المشهد, يجلس الرئيس صامتاً لا يتكلم, قوات الامن تنزل العسكر من السيارة, احدهم يتذكر كيف اختطف ذلك الرجل الجالس الآن على المنصة, ينكس رأسه ويسرح في أفكاره, كان يريد تأسيس دولة عسكرية يحكمها هو, يقتل هذا ويسجن هذا وينتهك عرض هذه, تذكر في نفس المكان المشاهد التي نقلتها له الطائرة الهليكوبتر وهو في غرفة عمليات وكيف كان ينظر إلى الشاشات وهي تنقل مشاهد حرق الجثث بعد قتلها والمعتصمين المعتقلين, كان يدير معركة بآلة عسكرية ضد عزل ولكنه كان مستمتعاً رغم كل شيىء فهذه أول معركة حربية يدخلها وبعد قليل يحكم مصر وها هو ذا ذلك العجوز يقنعه أنه مثل عبد الناصر مؤسس دولة العسكر. كان يفكر وقتها في تلك الامبراطورية الاقتصادية التي يديرها هو وزملاؤه الجنرالات والتي تتحكم في أكثر من 60% من اقتصاد الدولة, لا لن يترك كل هذا يضيع, هناك محطات الوقود والمزارع ومصانع المياه المعدنية ومطربون يغنون له, وراتب بالملايين, لقد عمل كل ما بوسعه للفرار من الفقر الذي طحن عظامه وهو صغير, كان واحداً من بين 14 أخاً, تذكر الثياب المستعملة التي كان يهديها لهم أحد أهل الخير في تلك المنطقة الشعبية, هز رأسه في قوة ليطرد الذكرى وهو يتابع رجاله يطلقون النار على من بالميدان, فليبيدوهم جميعاً, هكذا قال لنفسه, الإعلام سيقنع الشعب أنه انقذ مصر وسيستمرون في تنفيذ الخطة المتفق عليها فتسجيلاتهم وفضائحهم في المخابرات ولن يتجرأ أحدهم على مخالفة الاتفاق, دارت كل هذه الذكريات في رأسه كالبرق ثم تذكر كيف كان الشعب في كل مكان يهتف ( انتخبوا العرص ), تذكر كيف ارعبه هذا كثيراً وقتها, ولكنه لم يكن يملك خياراً سوى الاستمرار, فهو يريد الحفاظ على رقبته, لقد أسس هو وزملائه النظام العرصستاني, فالإعلاميين يعتبرونه زعيماً والملا العرصستاني, رجل الدين المرتزق الأحول يقول أنه رسول مبعوث من عند الله, والدولة تتم سرقتها بانتظام وخزائنه ممتلئة ولن يعود للفقر مرة أخرى ولن يرتدي سروالاً يهديه إياه أحد أهل الخير الأغنياء, أراد تحويل مصر إلى دولة جديدة يغير اسمها من مصر إلى جمهورية عرصستان الجنرالية يقوم نظامها على الشرعية العسكرية, وقضاءها وداخليتها شامخان, وتحظر فيها إهانة الذات العرصاوية العظمى.

كان أشد ما يضايقه هو تلك الكلمة التي يهتفون بها في المظاهرات ويكتبونها على جدران المباني وفي الشوارع والجامعات والمدن والقرى وذلك الهاشتاج الضخم على تويتر وفيسبوك, تلك الكلمة التي رددتها الملايين وكتبت عنها صحف وقنوات العالم كله, ولكن كل هذا لا يهم طالما ان ذلك العجوز بجانبه وسيجعل منه زعيماً وسيظل إلى جواره كما كان إلى جوار مؤسس دولة العسكر عبد الناصر, أفاق من ذكرياته تلك على يد أحد افراد الأمن الشعبي تجذبه من ياقة زيه العسكري وتجبره على الرقود على الأرض بجوار سيارة النقل, احدهم نجح في اختراق حاجز الأمن وبصق على وجهه, صمت ونكس رأسه وحاول مسح البصقة فنهره رجل الأمن وهو ينتزع رتبه العسكرية, بجواره كان زملاؤه جاثين على ركبهم منكسي الرؤوس بينما ينزع رجال الأمن رتبهم العسكرية, القى رجل الأمن رتبته العسكرية و الصق على ظهره ورقة مدون عليها جرائمه وكرر زملاءه الشيىء نفسه مع باقي الجنرالات, كان هتاف اعدام يا عرص ما يزال يزلزل ميدان رابعة, اقتاده رجل الأمن بعد ان قيد يديه خلف ظهره ووقف ثم اجبره على الجلوس على ركبتيه, أشار الرئيس مرسي بيده دون ان يتكلم فجذبه رجل الأمن من ياقة زيه العسكري واجبره على القيام, كاميرا التليفزيون المصري تسلط الضوء على اللافتة الملصقة على ظهره, انضم اليه رجلا أمن شعبي آخران بعد أن انتابته حالة من الصراخ الهيستيري, أخذوا جميعاً بتلابيبه واضطروا لجره على الأرض, وأوقفوه على المشنقة, كانت الحشود الهادرة في مصر والعالم كله تشهد نهاية العسكر العرصستانية, بينما تعالى هتاف الجماهير .. اعدام يا عرص !

 

** نشر هذا المقال 18 أبريل, 2014

التعليقات

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *