آيات عرابي تكتب| لماذا انتحر هؤلاء؟

كنت أتصفح الخبر الذي نشره موقع عربي 21 عن تصدر مصر قائمة الدول العربية في حالات الانتحار, ولفت نظري أن فئة الشباب ما بين 15 و25 عامًا هي الأكثر إقبالاً على الانتحار حيث تبلغ نسبتهم 66.6 % من إجمالي عدد المنتحرين في كل الفئات. تأتي بعد ذلك نسبة المنتحرين من المرحلة العمرية ما بين 25 و40 عامًا، حيث تمثل النسبة الأكبر لانتحار الرجال.

والحقيقة أن هذا الخبر قد يكون الأكثر استفزازا لي في الفترة الأخيرة ولكنه للأسف يعبر عن الواقع الذي يعيشه الشباب في مصر

حقيقة الخرابة التي يعيش فيها هؤلاء حقيقة الظروف التي فضلوا فيها أن يرتكبوا كبيرة من الكبائر عن العيش في مصر

لماذا يفضل هؤلاء الشباب الانتحار عن العيش في خرابة العسكر؟؟

لماذا تفقد فتاة في مقتبل عمرها الرغبة في الحياة وتقرر أن تنهي حياتها بطريقة شديدة القسوة كما فعلت أميرة التي اختارت أن تلقي بنفسها تحت عجلات المترو الحديدية، اختارت أن تضع جسدها تحت عشرات الأطنان من الحديد على أن تعيش في خرابة العسكر؟

المرعب في حادث القطار هذا ليس فقط الوسيلة التي اختارتها الفتاة للانتحار، بل سنها. هذه فتاة في العشرين من عمرها، أي أنها يجب أن تكون منشغلة بانتظار عريس المستقل والتفكير في تكوين أسرة كأي فتاة في مثل سنها. لكن أن تقرر أن تتوقف فجأة عن كل هذا وأن تتخلى عن مئات التفاصيل التي تربطها بحياتها لتموت تحت عجلات مترو، فهذا مرعب.

لماذا تلقي فتاة أخرى بنفسها من فوق بناية وتتخلص من حياتها بهذه الطريقة؟لماذا يقرر شاب متفوق دراسيا وحاصل على أعلى الشهادات أن يلقي بنفسه من فوق برج القاهرة كاتبا بنفسه نهاية حياته بهذا الشكل المأسوي؟

الإجابة باختصار

أنه الواقع السياسي والاقتصادي المظلم الذي تعيشه مصر.

إنها أجواء اليأس والاحباط التي تعيشها مصر. الملاحظ في حالات انتحار الشباب والفتيات في هذه المرحلة العمرية هي الطريقة التي ينتحرون بها

هؤلاء الشباب اختاروا وسائل صاخبة للانتحار, وكأنهم يصرخون في وجه كل شيء.

وكأنهم يرسلون رسالة تحذير من العالم الآخر لتعبر عن حالة اليأس والإحباط والظلم التي عاشوها قبل انتحارهم

لقد بلغت نسبة حالات الانتحار في مصر في الأعوام الأخيرة ومنذ الانقلاب العسكري الدموي إلى أرقام مخيفة في ظل انتشار القمع والذل وغياب الوازع الديني والملفت للنظر وطبقا للتقرير المنشور إن الانقلاب في مصر لا يتعامل بشفافية مع الظاهرة وفي التقرير نفسه 66.6% من المنتحرين من الطلبة وهي كارثة والأسباب معروفة لكل ذي عقل

إنه اليأس الذي ضرب تلك الشريحة العمرية التي قتل الانقلاب أحلامها منذ 2013، الذي يدفع فتيات صغيرات للانتحار اليأس الذي تجتهد صحف الانقلاب لتفادي الحديث عنه وإنكار أن الحالة السياسية في مصر وانقلاب الهرم الاجتماعي والظلم المجتمعي هو السبب لأن الحديث عن اليأس والظلم المجتمعي سوف يجر حديثاً طويلاً عن الظروف الاقتصادية التي تسبب فيها الانقلاب والتي ظهر فيها عسكري الانقلاب ليؤكد للناس أنهم (ورغماً عن أنوفهم) راضون عن الكوارث الاقتصادية وإجراءات الإفقار التي ارتكبها كإلغاء بطاقة التموين مثلا ورفع الدعم وزيادة أسعار الوقود ورفع أسعار تذاكر المترو، وتكدس الفصول الدراسية لتلاميذ المرحلة الابتدائية, وغياب التعليم أصلا وانعدام البنية الصحية, أضف إلى ذلك قوانين مكافحة الزواج والإنجاب التي ينتهجها العسكر ونشر الشـ ذوذ الجـ نـ سي والالحاد في الوقت الذي يرى الشعب فيه العساكر ولواءات العصابة العسكرية والمشخصاتية يعيشون في القصور ويمتلكون السيارات الفارهة و يعالجون في المستشفيات العسكرية وفوق كل هذا يتم تحصين العسكر بقوانين تحميهم من المساءلة و تمنحهم امتيازات غير مسبوقة.

هذا الجيل هو الجيل الذي انكسر لحظة صدور حكم البراءة على المخلوع الهـ الك المجرم الذي حطم أحلامهم وأحلام آبائهم وكان يعتقد أن من حقه محاسبة من ألقى بحياة ملايين من أبناء الشعب المصري إلى تحت خط الفقر

هذا الجيل هو الذي تخطى عتبة الطفولة وهو يعلم أن السيسي مجرم كـ افر محارب للدين و يحكمهم بالحديد والنار حتى لا يعبروا عن رأيهم

جيل رأى مقتل آلاف المسلمين في مجزرتي رابعة والنهضة ويشهد اعتقال عشرات الآلاف لأنهم عارضوا العسكر

هذا جيل تحطمت أمامه الآمال في مستقبل حر وعادل

هذا جيل علموه أن يخرس بعد أن علم أن بإمكانه أن يحاسب المخلوع فإذا به يرى المخلوع حراً طليقا ويرى أبنائه يتمتعون بثرواتهم المنهوبة

جيل وجد أن أسرته غير قادرة حتى على توفير تذاكر مترو خلال الشهر

جيل قتله لواءات البزنس بـ #الجيش_المـ صـ رائـ يـ لي

جيل قتله أمثال علاء الأسواني الذي دعى العسكر لامتطاءه ويأنف حتى الآن من أن يعترف أنه كان حـ مـ ا راً (على أحسن تقدير)

هذا جيل قتله الإحباط وفقدان الأمل

هذا جيل يدفع ضريبة تراكمت عبر عقود من التجهيل صار فيها العجائز يهللون للعسكر الجواسيس وصار أكثر القوم عقلاً من بين مناهضي الانقلاب يرون ضرورة الحفاظ على مؤسسات تلك العصابات

هذا جيل يدفع ثمن التخريب الفكري والإعلامي الذي مورس على العقول لعقود فانتج نخباً من الـ حـ مـ يـ ر

هذا جيل يدفع ثمن عدم وجود دعاة حقيقيين سوى هؤلاء النصابين والدجالين من أمثال محمد حسان وعمرو خالد والشيخ بيرة والضلالي أنبا الأزهر أحمد الخبيث وغيرهم من المهرجين

هذا جيل يدفع ثمن التخاذل في اسقاط الانقلاب

لو كان هؤلاء وجدوا ما يكفي من أسباب الحياة الكريمة ما انتحروا وارتكبوا هذا الذنب الكبير

ان الحديث عن انهيار الخدمات الإنسانية الأساسية وارتفاع الاسعار وانهيار الاقتصاد هو حديث لا ينتهي, ناهيك عن الاضطهاد الذي تمارسه حكومات المنطقة العربية ضد كل أصحاب الاتجاهات السياسية.

لقد صارت مصر إما طاردة لسكانها عبر الهجرة غير المشروعة أو دافعة الشباب والموظفين على الانتحار. ولو رصدنا فقط مدى الانهيار الذي اصاب مصر على كل الأصعدة بعد الانقلاب وحتى الآن لوجدنا ان الانقلاب حول مصر إلى خرابة و جحيم حقيقي وان الانقلاب خلال السنوات الماضية, استطاع تحقيق معدلات تدهور غير مسبوقة لا تنافسه فيها أنظمة العسكر التي سبقته.

هؤلاء المساكين انسدت في وجوههم كل أبواب الأمل

هؤلاء هم أبناء الطبقة المتوسطة في مصر الذين انتقلوا بفعل العسكر الى ما تحت خط الفقر.

لقد خطى الانقلاب خطوات هائلة في التدمير الاقتصادي ونجح في إفقار الكثيرين في مصر, والقفز بهم إلى مرحلة تتوحش فيها الأسعار واستطاع باستخدام عصا القمع, تمرير قرارات خطيرة من الناحية الاقتصادية كرفع الدعم وزيادة أسعار الوقود ورفع أسعار تذاكر المترو وذلك في غياب أي معارضة فعالة.

ويمكن القول ان هذه الاجراءات انتقلت بمصر الى مرحلة انهيار جديدة تماما, وفي خلفية هذا الخراب الاقتصادي, كانت هناك الإعدامات التي قضت على ما تبقى من الأمل لدى الناس.

وللحديث بقيةوَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

#آيات_عرابي

One thought on “آيات عرابي تكتب| لماذا انتحر هؤلاء؟

  1. د.رضا هلال says:

    مقال ملئ بالوعي و هو مالن يقبله العسكر بالرغم من موضوغيته و دعمه بالارقام
    د.رضا هلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.