كيف تعامل عبدالرحمن الأوسط مع من يسب النبي من أهل قرطبة النصارى

في أواخر عهد عبد الرحمن، هبت على نصارى قرطبة ريح شديدة من التعصب، ولاحت في الأفق بوادر فتنة دينية واجتماعية خطيرة. ولم يك في نظم الحكم الإسلامي، ما يقصد إلى إيذاء النصارى المستظلين بلوائه، ولم تشذ حكومة قرطبة عن سياسة التسامح الإسلامي المأثور، ولم تحاول تدخلا في شئون النصارى الدينية أو تعرضاً لعقائدهم أو شعائرهم، بل كان النصارى في قرطبة وغيرها، أحراراً في عقائدهم وشعائرهم، والاحتكام إلى شرائعهم وقضاتهم، وكثيراً ما تبوأوا مناصب الثقة والمسئولية في الجيش وفي الإدارة، وكانت أغلبية كثيرة منهم تشتغل بالتجارة في الثغور والمدن، ويشتغل عامتهم في ضياع المسلمين دون إكراه ولا عنت، وكانت منهم مجتمعات زاهرة رغدة في قرطبة وغيرها، بل كثيراً ما بهرتهم الفصاحة العربية فانطلقت بها ألسنتهم ووضعوا بها كتبهم، وكثيراً ما تخلقوا بأخلاق المسلمين وعاداتهم، ونهجوا نهجهم في الحياة الخاصة. بيد أنه كان ثمة فريق آخر من النصارى المتعصبين الذين يرون في سادتهم المسلمين أجانب غاصبين، معتدين على دينهم وأوطانهم، وكان أولئك الغلاة يبغضون إخوانهم من النصارى المعتدلين، ويرمونهم بالمروق والخيانة، وكان رجال الدين النصارى، وهم في الأصل مبعث التعصب ودعامته، يبذرون بذور الشقاق، ويضرمون نار الفتنة، ويوغرون قلوب الغلاة والمتطرفين، باسم الدين، وكانوا يبغضون المسلمين أشد البغض ويسخرون من دينهم ونبيهم، ويجاهرون بهذا التحامل والبغض للنبي العربي وتعاليمه، ويعتمدون في معرفتهم للإسلام ونبيه، على طائفة من الخرافات والأباطيل التي يتناقلها القسس في كل عصر ومكان. يقول دوزي: ” ولم يك ثمة أيسر عليهم، وقد كانوا يعيشون بين المسلمين من الوقوف على الحقيقة، ولكنهم كانوا يرفضون أن يستقوا من المصادر التي كانت لديهم، وكان يسرهم أن يعتقدوا وأن يعيدوا كل الخرافات السخيفة التي أذيعت عن نبي مكة ”

 
بيد أن العوامل الدينية لم تكن وحدها مبعث هذا التحامل، الذي يضطرم به نصارى قرطبة نحو الحكومة الإسلامية، بل كان للعوامل الاجتماعية أيضاً أثرها في إذكائه. ذلك أن القسس والمتعصبين كان يحفظهم ويثيرهم، ما يحيط بالحكم الإسلامي من مظاهر الإعزاز والسؤدد، وما تبديه الهيئة الحاكمة من مظاهر الأبهة والفخامة، وما ينعم به المجتمع الإسلامي، من حياة رغدة رفيعة. وكان يذكي هذا الحقد في نفوسهم ما يعانونه من خشونة عامة قرطبة وتعريضهم وتحاملهم. وهكذا بلغ تعصب النصارى أقصاه في عهد عبد الرحمن الاوسط، وبدا منذراً بشر العواقب. وكان في وسع أولئك المتعصبين في المدن البعيدة عن قرطبة مثل طليطلة وغيرها، أن يرفعوا علم الثورة، وأن يقاتلوا حكامهم وجهاً لوجه، ولكن الثورة في قرطبة كانت أمراً عسيراً. فحاولوا عندئذ أن يبثوا بذور الفتنة الطائفية والفوضى الدينية والاجتماعية، وأن يحاولوا الاستشهاد بطريق الاشتباك والتحدي.
وعمد القسس والمتعصبون إلى تحقيق غايتهم بوسيلة بسيطة خطيرة معاً، وهي المجاهرة بسب النبي العربي ودينه، وهي جريمة شنعاء تعرض مرتكبيها لعقوبة الموت، وأخذ بعض الغلاة من القسس والمتعصبين الهائمين ينزلقون عامدين إلى
هذا المنحدر الخطر، ويوجهون السب المثير إلى النبي العربي في الطرقات جهراً، فإذا أخذوا أمام القضاة كرروا سبابهم بمنتهى الإصرار والجرأة. وحاول القضاة في البداية استعمال الرفق واللين، وإقناع أولئك العابثين بالعدول عن أقوالهم، ولكنهم ألفوا أنفسهم أمام سلسلة مدبرة من الجرائم المماثلة، فلم يترددوا عندئذ في الحكم على القاذفين بالموت، وهكذا أزهق بتلك الطريقة عدة من القسس والمتعصبين في فترة وجيزة من صيف سنة 851 م (237هـ)، وكان الأحبار يكرمون رفات القتلى، ويسبغون عليهم صفة الشهداء، ويزيدون بذلك في اضطرام الفتنة. وكان في مقدمة المنظمين لهذه الحركة قس من قرطبة يدعى “أولوخيو”، كان يعمل على تحريض أولئك “الشهداء” المزعومين، ودفعهم إلى براثن الموت.
 
حاول النصارى عن طريق آخر، أن يحدثوا فورات تحطم النير الإسلامي. فطلبوا الاستشهاد بالطعن في محمد صلى الله عليه وسلم أمام الناس والسلطات، وأعدموا لأن القانون يعاقب بالموت على ذلك. ولم يقتصر الاندفاع في ذلك الطريق على المدنيين، بل اندفع فيه كذلك قساوسة عقلاء مسالمون، وكان من هؤلاء أولوخيو وألبارو، ولم يجد هؤلاء طريقة أفضل للاحتجاج على الإسلام من الطعن فيه، وتقديم حياتهم قرباناً للدين الكاثوليكي ”
وأدرك عبد الرحمن الاوسط دقة الموقف وخطورته، ورأى أن يعالجه بالحزم والتفاهم معاً، فاستدعى مجلساً من الأساقفة، عقد في قرطبة برآسة ريكافرد مطران إشبيلية، ومثل الأمير فيه أحد كتابه النصارى، وهو جومث بن أنطونيان بن خوليان عامل أهل الذمة ، وشرح للأساقفة ما يمكن أن يترتب على أعمال المتطرفين وسبهم للنبي من العواقب الخطيرة بالنسبة للنصارى. ولم يعترض المجلس على مبدأ الاستشهاد في ذاته، ولكنه أصدر قراره باستهجان مسلك أولئك المتطرفين، وتحذير النصارى المخلصين من حذو مسلكهم، ووجوب اعتقال كل مخالف . ولكن قرار الأساقفة لم يكف لتسكين فورة التعصب المزبد، وتمادى المتطرفون أنصار أولوخيو في غيهم، وزج إلى السجن منهم كثيرون، ومنهم أولوخيو نفسه، وكان بين المعتقلين بضع فتيات مسلمات بمولدهن من آباء مسلمين وأمهات نصارى، ولكن أضلهن الأمهات والقسس، ودفعن إلى التنصر وسب النبي، وكان منهن فتاة رائعة الحسن تدعى فلورا، عرفها أولوخيو وهام بها حباً.
وقصة هذه الفتاة حسبما يرويها سيمونيت، توضح لنا طريقة التحدي والاستثارة التي اتبعها المتطرفون لإحداث الشغب. فقد كانت فلورا ابنة مسلم من زوجه النصرانية، وتوفي أبوها وهي ما تزال طفلة، فربتها أمها على مبادىء المسيحية.
وكانت بالرغم من جمالها تبدي تحفظاً ونسكاً، وتزور الكنائس خفية لخوفها من أخيها الأكبر، وهو مسلم شديد التعصب. ثم فرت من دار أهلها، وتتبعها أخوها في كل مكان، فعادت إلى منزلها، وأعلنت لأخيها تمسكها بدين النصرانية، ولم ينجع في ردها الضرب والوعيد. فأخذها أخوها إلى القاضي، وأبلغه بأن أخته القاصر قد ضلت واعتنقت الدين المسيحي، وأنها تسب النبي ودينه، واعترفت فلورا بأنها نصرانية منذ طفولتها، ومتمسكة بدينها. ومع أن هذا الاعتراف بالردة يستحق عقوبة الموت، فإن القاضي اكتفى بتقرير ضربها ضرباً مبرحاً، أملا في أن تعود إلى صوابها. فاحتملت الفتاة العقوبة بجلد، وحملت إلى دارها منهوكة القوى، وصبرت أياماً حتى برئت من مرضها، ثم فرت من الدار ذات ليلة، وسارت هائمة على وجهها، حتى لجأت إلى دار نصراني في بلدة ” مرتش ” القريبة، والظاهر أن القس أولوخيو رآها هنالك، وأعجب بجمالها وحشمتها وورعها، وشعر نحوها بحب سماوي عميق.
ثم عادت فلورا بعد حين إلى قرطبة مواجهة كل خطر، معتزمة الاستشهاد، ولجأت إلى كنيسة سان إثيسكولو، وكانت قد لجأت إليها أيضاً فتاة نصرانية أخرى تدعى ماريا، وكانت إبنة رجل نصراني من لبلة، وأم مسلمة تنصرت. وربيت ماريا في الدير تربية دينية خالصة، كما ربى أخوها الأكبر فيه. ولما توفي أخوها وجدت عليه وجداً شديداً، وسارت إلى قرطبة تبغى الاستشهاد، ولجأت إلى نفس الكنيسة التي لجأت إليها فلورا. واعتزمت الفتاتان أمرهما وذهبتا إلى دار القضاء، وقالت فلورا للقاضي إنها إبنة مسلم، ولكنها اعتنقت النصرانية وأخلصت لها، وأن المسيح هو الإله الحق، وأن النبي محمد، هو نبى زائف … الخ . وكذلك قالت ماريا إنها تؤكد من كل قلبها أن يسوع هو الرب الحقيقي، وأن الإسلام دين الشيطان. فأمر القاضي بإيداعهما السجن. وكان فيه بطريق الصدفة أولوخيو مقضياً بحبسه أيضاً، فعكف على وعظ الفتاتين، وحثهما على الاستشهاد في سبيل المسيح.
وحاول القاضي نصح الفتاتين، ولكنهما أصرتا على موقفهما وعلى مطاعنهما.

وأخيراً أصدر القاضي حكمه بإعدامهما، وذلك في 24 نوفمبر سنة 851، وأخذتا إلى ساحة الإعدام، وهنالك أبدت كلتاهما إشارة الصليب، ثم أعدمتا بقطع الرأس، وألقيت جثتاهما إلى النهر، واستطاع النصارى العثور على جثة ماريا وحدها، فأخذوها مع رأسي الفتاتين. ونظمت فلورا فيما بعد في سلك القديسين.

هكذا يروي سيمونيت قصة فلورا وزميلتها، ومهما كان في أسلوبه من رواء القصة المشجية، فإن في وقائعها ما يلقي ضوءاً على خيوط المؤامرة التي دبرها نصارى قرطبة، وفي مقدمتهم القسس، لإثارة الفتنة الطائفية والإخلال بالنظام والأمن، وهي محاولة لا يمكن لأية حكومة منظمة أن تغضي عنها.

واستمرت هذه الفتنة المضطرمة مدى حين، وتذرعت حكومة قرطبة في إخمادها بالحزم والشدة، وزهق من المتعصبين عدة أخر، ومن بينهم أولوخيو الذي نظمه النصارى فيما بعد في ثبت ” القديسين “.

وهكذا شغل عبد الرحمن في أواخر عهده بتلك الفتنة الدينية الخطيرة، ولكن المتعصبين لم يحققوا منها ما أملوا، وكانت بالعكس مثار السخط والإنكار من جانب النصارى المعتدلين، الذين يقدرون تسامح الحكومة الإسلامية ورفقها ورعايتها.

 

التعليقات

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *