مقال بقلم يوسف ادريس: ثغرة الدفرسوار

بقلم يوسف إدريس – يوليو 1983 

لقد زرت من عامين المكان الذي عبر منه الجيش الشاروني الإسرائيلي القناة من شرقها إلى غربها ليصنع ما سماه السادات ((الثغرة التليفزيونية)) , وهالني الأمر تماماً, فالقناة عند ذلك المكان الذي أقيم فيه جسر بري مسفلت في 24 ساعة فقط, ذلك المكان أوسع كثيراً من عرض النيل الذي أقيم عنده السد العالي, ذلك السد الذي استغرقت إقامته سنوات, كيف يتسنى لمجاميع قليلة من جيش متسلل محصور بين جيشنا الرهيب الثاني وجيشنا الثالث, كيف يتسنى لتلك المجاميع أن تسد القناة, الأعمق من نيل أسوان, والأعرض من مكان السد العالي, في ظرف أيام معدودة, إنها كذبة كبرى, إني أطلب وألح أن تتشكل لجنة عسكرية هندسية من الجيش المصري لتقدر كم العمل اللازم لإقامة طريق بري مسفلت طوله كيلومتر على الأقل وبقاعدة لا يمكن أن تقل عن خمسين متراً وارتفاع لا يقل ابتداء من قاع القناة إلى مستوى الطريق المسفلت على ضفتها, ارتفاع لا يقل بأي حال عن عمق القناة زائد عشرة أمتار بأقل تقدير من سطح الماء إلى سطح الأرض, أي حوالي ثلاثين متراً ارتفاعاً. 

إني متأكد أن أي طالب هندسة أو حتى أي مقاول صغير إذا رأى المكان, وعرف أبعاده – لا يمكن إلا أن يؤكد أنه عمل لابد يستغرق شهوراً طويلة في ظل وفرة من الأيدي العاملة وفي ظروف سلام تام مواتية, أما أن يقول الإسرائيليون أو يقول بعض المختارين من المصريين إنه عمل قد تم خلال 48 ساعة على الأكثر فهذا هو الكذب بعينه أو بالأصح التمويه المراد به خداع شعبنا عن حقيقة لابد لمن يرى المكان ان يدركها عن يقين : حقيقة أن قناة السويس , في ذلك الجزء عند ((الدفرسوار)), كانت مسدودة فعلاً بكتل خرسانية, وأنه عمل استغرق وقتاً طويلاً ليحدث, وأنه تم إما بتكتيك عسكري لا نعرف بالضبط كنهه بحيث أبعد أنظار جيشنا عن تلك البقعة بالذات, أو كثَّف المدفعية في تلك البقعة أثناء حرب الاستنزاف بحيث أصبح الاقتراب منها مستحيلاً, وإما – وهذا هو الشيء المخيف فعلاً – أن يكون هذا السد قد أقيم بعلم السلطات المصرية, ولأن هذه مسألة مستحيلة بغير اتفاق مع الإسرائييليين ليسمحوا بإقامة سد قد يتخذ معبراً في أي وقت للجيش المصري, وهو أمر مستحيل التصديق فإن المسألة تشكل لغزاً لابد أن يحل, فقط لم ينتبه له الرأي العام إلى الآن, ولكن لا حقيقة هناك مختفية إلى الأبد, ولابد لشعبنا يوماً أن يعرف كيف أن سداً كهذا قد أقيم ليكون الخنجر الذي يسدد إلى ظهر جيشه في اللحظة المناسبة, خنجر خفي كان باقياً, لكي يصبح سداً كاملاً وطريقاً ((مسفلتاً)), بعد وضع الطبقة الأخيرة فقط من كتل الخرسانة وهو عمل فعلاً من الممكن إنجازه بكم هائل من الآليات والأوناش في ظرف 48 ساعة. وهنا أيضاً لا يملك أي إنسان لديه أي ذرة من القدرة على التفكير , لا يملك إلا أن يتساءل كيف استطاع شارون بقواته الصغيرة أن يستجلب – لابد من إسرائيل نفسها – هذا الكم من الأوناش واللوريات والمعدات الآلية , يستجلبها من إسرائيل ويصنع بها السد في أقل من 24 ساعة من قراره أن ((يعبر)) القناة ؟ وفي ظل حرب طاحنة . 

أما إذا لم يكن قد استجلبها , وأنها كانت طوال الوقت هناك فإن هذه تكون قمة المأساة المضحكة, إذ معناها أن شارون , أو الجيش الإسرائيلي , كان يعرف أن حرب 73 كانت ستقوم , وأن الجيشين المصريين الثاني والثالث سيعبران القناة بنجاح , وأن الرد على هذا العبور يكون من خلال هذا السد !! 

لقد أطلت في تأملي لحكاية الثغرة , أو بالأدق لحكاية عمل الجسر البري عبر القناة لأنني لست عسكرياً من ناحية , ومن ناحية أخرى لأن أي زائر للمكان , وأي عابر سبيل , وأي صبي في مدرسة ثانوية يرى منطقة الدفرسوار ويتصور إقامة سد عليها طوله كيلومتر في ظرف 48 ساعة لن يتمالك نفسه وسيقسم بأغلظ الأيمان إن هذا مستحيل تماماً , وإن ثمة مؤامرة كبرى – مؤامرة ضد الجيش وانتصاره تمهيداً لفرض الاستسلام عليه – وراء سد الدفرسوار إن كنا لا نعرف عنها الكثير اليوم , فسنعرف وحتماً , كل شيء غداً . 

أقول أطلت , لأن الدفرسوار يشكل بالنسبة لعلامات الاستفهام التي طرحتها متسائلاً أو مراجعاً للأحداث اتي دارت في منطقتنا منذ سبتمبر 1970 إلى الآن , يشكل دليلاً من الممكن أن تراه ((أي العين)) دليل إثبات واضح لا يمكن دحضه , يشكل شيئاً كجسد الجريمة في لغة القانون , وهو هناك قائم وموجود وباستطاعتك انت نفسك , لو شئت أن تراه , وأن تبني حكمك دون أي حاجة لإعمال ذكاء كثير. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(المقال نُشر لأول مرة في يوليو 1983 – ليس بالضرورة أن اتفق مع كل أفكار المقال فأنا لا انظر لـ #الجيش_المصرائيلينظرة التبجيل التي يحملها يوسف إدريس ولا اعتبره (جيشنا) وهو كيان انشأه المحتل في الاساس وقد شرحت هذا كثيراً ولكني التزمت بأمانة النقل فالمقال خطير جداً ويحمل أفكاراً لابد للجميع من معرفتها واثار عاصفة وقت نشره مع مجموعة مقالات أخرى تتحدث عن الخدعة في موضوع أكتوبر) .. آيات عرابي

التعليقات

تعليقات

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *