آيات عرابي تكتب| وفاة اعتماد خورشيد واستراتيجية كشط السوق … لا والله لم تنحرف المخابرات!!

توفيت بالأمس اعتماد خورشيد بعد أن اشتهرت بروايتها لفضائح المخابرات وقصتها مع صلاح نصر، والواقع أن ظهور مصطلح “انحراف المخابرات” لم يظهر بعد حراك يناير المتحكم به فحسب، وإنما يرجع لعهد الهالك حبيب المجاري جمال عبد الناصر، حيث اُستخدمت هذه القصص للتضحية بكباش فداء شعبية تتحمل لعنات أكبر هزيمة عسكرية في العصر الحديث، وكأنها “نكسة” خرجت عن السياق، وربما لا يضاهيها هزيمة أخرى في تاريخ الأمم إلا هزيمة 73 حين وصل الجيش الصهيوني إلى مائة كيلو من العاصمة وأسر أكثر من ثمانية آلاف أسير وهو ما يفوق عدد أسرى هزيمة يونيو 67 (الذين كانت تتم مبادلتهم بالبطيخ والشمام).

والسؤال الآن: متى كانت المخابرات العامة شريفة؟!
ومين ضحك عليها وجاب رجلها لسكة الانحراف لا مؤاخذة؟!
الدولة المصرية ومؤسساتها لم تنحرف يوما عن جبلتها الأصلية منذ أنشأها الاحتلال الصليبي، ولكن الناس تعجبهم أخبار الفضائح الشيقة وأخبار الإباحية عن هوس عبد الناصر بمشاهدة أفلام الممثلة فلانة أو علانة. والنتيجة أن استخدم العسكر ذلك الهوس لإلهاء الناس وحصر سبب الهزيمة في انحراف هذا أو ذاك أو المخابرات، ثم حصر مشكلتنا مع المخابرات في الانحراف الجنسي أكرمكم الله.

في استراتيجية كشط السوق حين تطرح الشركات منتجا فريدا من نوعه تستفيد الشركات من المهاويس محدثي النعمة ومحبي الفشخرة والمنظرة الكذابة، فإذا ما كانت مثلا تكلفة السلعة 20 جنيها وكان السعر الملائم لتحقيق مكسب يحقق العائد الاستثماري المرجو مع مراعاة المرونة السعرية للطلب هو 50 جنيها، تقوم الشركة بطرح المنتج ب 500 جنيه! وبالطبع لن يشتريه إلا لربما 0.1% من الحمقى، ولكن لماذا لا تستفيد الشركة من وجود الحمقى، ثم تقوم بعد ذلك بتخفيض السعر حتى تأخذ الشريحة الأقل حماقة، وهكذا حتى تستنفذ شرائح الحمقى ثم تطرح السلعة بعد ذلك بسعر يلائم أغلب المستهلكين.

الشركات لا تقوم بتقطيع السوق فقط بناءاً على اختلاف الأذواق والأعمار والنوع وغير ذلك من أنماط تقطيع السوق التقليدية، وإنما تستفيد داخل كل قطاع من دراسة السلوك الاستهلاكي والأطوار النفسية المصاحبة له، وكذلك درجة انخراط شرائح مستهلكي كل قاطع في تلك السلوكيات والأطوار المصاحبة لها.

فمهووسي التفرد مثلا ليسوا بدرجة واحدة، فمنهم من سيشتري المنتج حين يطرح ب500 جنيه ومنهم من سيشتريه حين يطرح ب450 جنيه أو 300، لذا لا تكتفي الشركات بدراسة سلوكيات كل قطاع، بل تراقب درجة انخراط شرائح كل قطاع في تلك السلوكيات للاستفادة منها في استراتيجيات الدعاية والتسعير.

وكذلك لا تكتفي أجهزة المخابرات بتقسيم الشعب إلى إسلامي وعلماني وكنباوي، فمن الإسلاميين من لا ينشغل بنظم الحكم ويكفيه تدين التنمية البشرية و الصعبانيات الذي يقدمه مصطفى حسني ومعز مسعود وعمرو خالد. وهناك المتدين الكنباوي الدولجي التقليدي الذي يبتلع أي شئ معبأ داخل العمة والكاكولا، كتيس الأزهر وعلي جمعة وكريمة وخالد الجندي، وهؤلاء وأولئك شرائح ذات درجات في سلوكيات قطاعاتهم، ولكن ليس من أولوياتي مخاطبة جمهور الصعبانيات أو الدولجية والكتابة لهم والتفصيل في درجات انتمائهم لسلوكيات قطاعاتهم، فهم قوم كالحمير أو أشد بلادة، ولربما لو أفاقوا كانوا أشد ضررا!

أما داخل قطاعات الإسلام الصحوي فسأتجاوز التقسيمات التقليدية وأزلف مباشرة إلى التقسيم السلوكي لتلك القطاعات ودرجة أو شدة انتساب شرائح كل قطاع منهم لتلك السلوكيات وكيف أفاد العسكر من ذلك في ترويض التيار الإسلامي الصحوي. فالرسالة التسويقية المراد إيصالها للجميع تفيد الترويج لسلعة التسليم للواقع الطاغوتي. والعسكر يحسنون إيصالها لشرائح كل قطاع بعدما درسوا (أو درس لهم الرجل الأبيض) درجة انتساب شرائح كل قطاع للسلوكيات التي تمت عملية التقطيع الأصلية على أساسها، وهنا يعمل العسكر على دراسة ومعالجة درجة رفض شرائح كل قطاع لسلعة التسليم للواقع.

فمثلا ما يعرف بالجامية أو المداخلة (أو ان شئت فقل روافد السلفية النجدية) تمثل درجة الرفض الأقل لسلعة التسليم للواقع، فهم المستهلك الذي يشتري السلعة ذات ال 50 جنيها أول ما تطرح ب 500 جنيه، وينحصر رفضهم لسلعة التسليم للواقع في الإنكار على عوام المسلمين في بعض مسائل الفروع بينما يجودون في التماس الأعذار للطواغيت، هذه الدرجة من الإسلام الصحوي تكفيها من الرسائل الإعلامية أن ترى السيسي يصلي الجمعة والأعياد، ثم تروج لأتباعها أن الحاكم ولي أمر شرعي لا يزال معظما لشعائر الإسلام وأن من يثورون عليه خوارج تحل دماؤهم، وهكذا اشتروا سلعة التسليم للواقع الطاغوتي، وبأعلى سعر.

ثم الدرجة التي تليها والأقل حماقة جزئيا والتي تشتري السلعة ذات ال 50 جنيها ب 450 جنيها بدلا من 500. ألا وهم سلفيو الإسلام الصحوي، والأكثر رفضا لشراء سلعة التسليم للواقع مقارنة بسابقتها الجامية، درجة عموم السلفيين الذين ينحصر رفضهم لسلعة التسليم للواقع في عدم تسمية الحاكم ولي أمر مع الإنكار النظري للواقع دون الاقتراب مباشرة من رؤوس الطواغيت، هذه الدرجة من القطاع الصحوي تكفيها من الرسائل الإعلامية بعض المشاهد من سوريا والعراق وأثر الدمار، لتخرج على أتباعها بتأصيلات مشرعنة عن مفاسد الثورات وضرورة حقن الدماء، وضرورة تكثير الصالحين والانشغال بإصلاح أنفسنا وطلب العلم والتربية حتى ينشأ جيلا صالحا يخرج منه حاكم صالح!

ومبروك سلعة التسليم للواقع الطاغوتي، وإن كانت بسعر أقل قليلا مما دفعه الجامية.

وهكذا تستمر درجات قطاع الإسلام الصحوي في التدرج في زيادة رفضها لسلعة التسليم للواقع حتى نصل للدرجة الثورية التي تبدأ بهؤلاء الذين تكفيهم الرسائل الإعلامية عن السيسي الفاسد الحرامي الفاشل الذي أفسد مؤسسات الدولة الجميلة ولكن يمكن التخلص منه بثورة الحلل والصفير من البلكونة، وصولا لأولئك الذين يقولون هيا نصطف وننافس السيسي في الانتخابات، تماما كما فعل حزب الخليفة ليفة وتجاوز الانقلاب وترشح وفاز!
وأيضا مبروك سلعة التسليم للواقع الطاغوتي، ولكن هذه المرة بسعر الـ 50 جنيها الشعبي الذي يناسب الأغلبية.

المهم أن تظل شركة المخابرات تمارس استراتيجية كشط السوق حتى تبيع سلعتها لأهل كل قطاع، بل وتسوقها لشرائح كل قطاع بأعلى سعر يناسب درجة انتساب كل شريحة لسلوكيات قطاعها.

كذلك الحال مع التيارات العلمانية بداية من العلمانجي السونيجي الشرس، ووصولا إلى العلماني الأليف الذي خرج من مولد الانقلاب بلا أرز، فاكتشف فجأة أن 30 سونيا ثورة مجيدة انحرفت عن مسارها وهيا نصطف لاستعادتها، كل درجة من شرائح هذه القطاعات لها ما يناسبها من الرسائل الترويجية لسلعة التسليم للواقع وسعرها الأنسب، ولا أود التفصيل أكثر من ذلك في شأن العلمانيين، لأنني أحب أن أراهم تائهين وأكره توجيه النصح لهؤلاء العلمانجية سقط متاع الانقلاب.

كذلك تعمل استراتيجية كشط السوق في تسويق الرواية الرسمية بحسب درجات رفض شرائح كل قطاع لها،
فهناك من يكفيه أن المخابرات منحرفة سلوكيا فحسب، وهناك من يؤمن بأنها جهازا “وطنيا” شريفا أفسده العملاء والجواسيس واخترقوه لتتم الهزيمة ثم طهره الزعيم الخالد (في النار بإذن الله) جمال عبد الناصر!
وهناك من يرفض الرواية الرسمية أن حرب أكتوبر نصر مر بأزمات، فيتم إدراكه برواية الشاذلي عن نصر تعرض لخيانة ضيعت الكثير من نتائجه!

وهكذا حتى لا تصل للحقيقة الكاملة وتكفر بالدولة المصرية وتدرك حقيقتها من عهد الماسوني الهالك محمد علي إلى اليوم.

ولكي تدرك حقيقة جهاز المخابرات العميل الذي يحاولون تبرئته من الفساد بنشر فضائح وفساد أعضائه أمثال صلاح نصر ولكي تعلم أيضا أن العدو هو من أنشأ هذه الجهاز وأشرف على تدريب أعضائه، اقرأ معي هذا الجزء من كتاب لعبة أمريكا الكبرى والذي أنقله لكم بدون أي زيادة أو نقصان:

  • America’s Great Game : The CIA Secret Arabists and The Shaping of The Modern Middle East( لعبة أمريكا الكبرى : مستعربو السي آي إيه السريون وتشكيل الشرق الأوسط الجديد )

“مع إدراكهم أن جهاز المخابرات الحالي غير ملائم، انشأ الضباط الأحرار إدارة جديدة بإسم (المخابرات العامة) تسير جزئياً وفق نموذج السي آي إيه، وقام مايلز كوبلاند بترتيب التدريب لضباط المخابرات العامة الكبار، وتعليمات التدريب من مكتب السي آي إيه للتقديرات القومية في مجال كتابة ملخصات التقارير اليومية لرئيس الدولة، وتوفير معدات الكترونية كاملة تم تطويرها على يد منظمات التجسس الصناعي الأمريكية”. “وبين عامي 1953 و1954, استدعت السي آي إيه أوتو سكورزيني لتقديم المشورة لعبد الناصر حول تدريب الجيش المصري وتجنيد ضباط سابقين في الجستابو للمساعدة في بناء إدارة المخابرات العامة.”

الكارثة الأكبر من ذلك هي أوتو سكورزيني وكان ضابط قوات خاصة نازي شهير وهو من أنقذ موسوليني بعد اعتقاله، وحصل على شهرة كبيرة في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية.
” وافق سكورزيني على تقديم” المساعدة” للموساد في مصر**

أي أن مستشار عبد الناصر الذي ساعده في بناء الجيش وكان أحد المشرفين على تدريب المخابرات العامة كان عميلاً للموساد، وجاء هذا في أكثر من مرجع** وأصبح تاريخاً! ويزول استغرابك، حين تقرأ كيف جند الموساد أوتو سكورزيني للعمل معه، أي أن من قام بتدريب المخابرات العامة هم خليط من ضباط المخابرات الأمريكية ومن الضباط الالمان الذين يعملون لصالح الموساد، أي أن الموساد كان يعلم مقاسات أحذية ضباط المخابرات العامة. ولا عجب إذن أن ينجح الموساد في زرع عميل يصل إلى صفوف القيادة العليا في الجيش ليصادق قائد سلاح الطيران وعبد الحكيم عامر، ويكلفه زكريا محيي الدين أول مدير مخابرات بتقديم تقارير عن الضباط في الجيش !!بل ويرافق عبد الناصر وعبد الحكيم عامر في هليكوبتر اثناء جولة تفقدية للقوات المصرية في سيناء قبل هزيمة 67 بأربعة أيام.

ثم اقرأ معي هذا الجزء أيضاً والذي لا يتخير عن سابقه في كشف أن جهاز المخابرات هذا هو صنيعة الاحتلال على أرضنا:
يقول جوزيف تورنتو في ص 246 من كتاب مقدمات الإرهاب وميراث شبكة المخابرات الأمريكية ” في ابريل عام 1971 حذر الموساد جيمس انجلتون من أن السوفييت يقومون بتنسيق تغيير في مصر وأن السادات سوف يتم اغتياله واستبداله بزعيم يختاره الكي جي بي. وكان دور تويتن هو أن يبلغ هذه المعلومات للسادات عن طريق أشرف مروان. وفي 11 مايو 1971, تم اعطاء السادات الدليل على المؤامرة ضده. وخلال شهور لم تعد مصر دولة تابعة للسوفييت. وبدأ كمال أدهم والذي كان لا يزال يشغل منصب مدير المخابرات السعودية, في زيارة السادات شخصياً, دافعاً إياه على التعاون مع الأمريكيين. واوضح أدهم للسادات أنه سيحظى بالدعم الكاملة للعائلة الملكية السعودية إذا القى بثقله في اتجاه واشنطن. وقام السادات بإعادة هيكلة المخابرات المصرية بمساعدة شاكلي (ضابط مخابرات أمريكي) وإدارة العمليات بالسي آي إيه. وللضمان، وضعت المخابرات الأمريكية بعض كبار وزراء السادات ونائبه (فيما بعد) حسني مبارك على كشوف مرتبات السي آي إيه

ولذلك يسوقون لك من حين لآخر فساد عضو ما في القضاء أو الإعلام أو المخابرات أو حتى الجيش للحفاظ على المنظومة بأكملها معتمدين على ولع المصريين بالبحث عن الفضائح


وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

آيات_عرابي