مخابرات المزرعة السعيدة !

 

أول أمس نشرت احدى الصحف التابعة للانقلاب, حواراً صحفياً, مع وكيل المخابرات العامة السابق. وربما تصور رئيس تحرير الجريدة أن نشر حوار صحفي يحوي كلمة مخابرات قد يحقق الرواج للجريدة وأن القراء سيتهافتون على شراء أعدادها.

 وبغض النظر عن اعترافه الصريح بأن المخابرات لم تسلم وثيقة واحدة سليمة للرئيس قبل الانقلاب وهو ما يتحتم معه, اعدامه هو وقيادات المخابرات العامة بتهمة الخيانة العظمى, وبغض النظر عن أن إعترافه العفوي كشف حجم المؤامرة التي كانت تدبر ضد ارادة ملايين انتخبوا الرئيس, وأن تلك المؤسسات تخرج لسانها للشعب, ولسان حالها يقول, انتم لستم أهلاً لتختاروا لأنفسكم, فما يشغلني الآن هو ذلك المستوى من التعفن الذي وصلت له مؤسسات العسكر بعد ستين عاماً من تجريف التعليم وتخريج أجيال من الجهلة تعمل في عقولها معاول القناة الأولى والصحف المسماة قومية. 

قديما قالوا, تكلم حتى أعرفك, وأنا وغيري ملايين تربينا على مسلسل رأفت الهجان, وعلى أن المخابرات المصرية هي أقوى مخابرات في الشرق الأوسط .. الى أخر تلك الدعاية الفارغة التي سقطت عقول أجيال كاملة تحت وطأتها. 

ما قاله ذلك الكائن العكاشي عن طرد عمر سليمان لديك تشيني من مكتبه, وعن ان هناك قوات تسمى الشبح, وعن أنجر الفتة … الخ .. يكشف حجم التجريف الذي لم تفلت منه مؤسسة, لم يكن ذلك الـ ( ثروت جودة ) هو أول من تكلم بتلك الضحالة, فقبله كان مدير مكتب المقبور عمر سليمان والذي اشتهر بإسم ( الراجل اللي ورا عمر سليمان ), تكلم هو أيضاً وافصح عن جهله وضحالة تعليمه في احدى المناسبات, ولكن بعد أن تحدث وكيل المخابرات العامة السابق, ادركنا جميعاً اننا كنا نعيش في وهم اسمه مؤسسات, فالقضاء فاسد ومعظم القضاة مرتشون من نوعية الزند, والأمراض في مصر تعالج بالكفتة, والجيش المصري الذي يتسول قادته السلاح من امريكا ويركضون خلال ( موسم المعونة الامريكية ) لتلقف عمولة من هنا وعمولة من هناك, يهددون الأسطول السادس الأمريكي بالطائرات الأمريكية, بل ويأسرون قائد الاسطول السادس الأمريكي. 

والفاشل الذي ينجح بالكاد في الشهادة الإعدادية يصبح ضابطاً بالجيش, ثم يترقى ليصبح مديراً للمخابرات الحربية, ثم وزيراً للدفاع, والشاويش اللمبي الذي لم تنظر إليه سوى والدته, ولا يمكن أن يكون قد وجد من توافق على الزواج منه, إلا ( بواسطة ) يصبح وسيماً في إعلام الانقلاب !
 ثم تلك الوسامة المدعاة غير الموجودة أصلاً تصبح من مؤهلات تولي الوظائف العامة, وزميله الآخر في المدرسة الجوية, والذي التحق بها بالشهادة الإعدادية, يصبح وكيل للمخابرات العامة, وقد صدق الاستاذ سليم عزوز حين قال, انه مع الرأفة كان أقصى ما يمكنه بلوغه هو أن يقدم برنامجاً في قناة الفراعين مع شقيقه في الفكر عكاشة, وأنا اضيف, أن تلك العينات في أي دولة لم تكن أصلاً تستطيع أن تحصل على وظيفة معد برامج في برنامج تدبير منزلي.

ذكرني حديثه عن ديك تشيني وعمر سليمان بمشهد في برنامج كان يقدم على احدى القنوات بعنوان ( مسلسلات كوم ), عندما كانوا يقلدون بشكل ساخر مسلسل ( دموع في عيون وقحة) , وكانت الأم توقظ جمعة لتقول له ( قوم يا ابني عشان تلحق التجسس من أوله).

 ذلك هو المستوى العقلي لتلك المؤسسات ولتلك العينات التي تخرج على الناس منفوشة الريش لتتفاخر بكلمة ( مخابرات ), بينما هم في الحقيقة, لا يصلحون حتى أن يكونوا افراد أمن في ( المزرعة السعيدة ). 

من حسنات الانقلاب ان كانت له حسنات, هو أنه كشف تلك العينات الكوميدية التي امتلئت بها مؤسسات الدولة عبر ستين عاماً من حكم العسكر الفاشل, وهو ما يجعل اسقاط ذلك النظام مهمة وطنية تقع على عاتق الجميع ..

 

نص المقال على موقع عربي ٢١