كل عام ومع حلول ذكرى حرب أكتوبر تعود الرواية نفسها تقريبا إلى الواجهة
انتصار عسكري مصري بعد عبور الجنود المصريين قناة السويس, وتحطيم خط بارليف والتي أدت في النهاية إلى مفاوضات مصرية – إسرائيلية برعاية أمريكية, انتهت باستعادة مصر لسيناء
وعلى الجانب الآخر تظهر بعض الأصوات تقول أن الحرب انتهت لصالح الإسرائيليين الذين استطاعوا التغلب على مشاهد العبور الأولى و كبدوا القوات المصرية والسورية خسائر فادحة على كل المستويات
لكن ماذا لو أعدنا قراءة الحرب من خلال الوثائق التي كُتبت أثناءها والوثائق التي ظهرت بعد ذلك
خصوصاً وأنه بعد عقود, من تقديم أكتوبر باعتبارها انتصاراً عسكريا مصريا مكتمل الأ{كان, ظهرت قراءة أخرى للحرب, لا تنكر العبور ولا شجاعة المقاتل المصري, لكنها تسأل سؤالاً مختلفاً: نا الهدف السياسي الذي أُريد للحرب أن تحققه؟ وهل كان المطلوب أصلاً استعادة سيناء بالقوة, أم تحقيق اختراق عسكري محدود حسب كلام كيسنجر, يعيد مصر و”اسرائيل” وأمريكا إلى طاولة المفاوضات
السؤال بالنسبة لي ليس جديدا!
فمنذ سنوات كتبت مجموعة من المقالات عن حرب أكتوبروطرحت فيها أسئلة واعتراضات على الرواية التقليدية وتعرضت بسببها لهجوم شديد
لكني لا أعود اليوم إلى هذه المقالات لأقول كنت على حق ولا أريد التعامل مع الوثائق الجديدة باعتبارها وسيلة لإثبات استنتاجاتي القديمة بأي ثمن
ما أريده في هذا المقال هو شيء أكثر أهمية وهو أن نضع بعض الأفكار التي طرحتها منذ سنوات بجوار الوثائق التي أصبحت متاحة لاحقا, ثم نسأل بموضوعية ماذا أثبتت الوثائق؟
ماذا دعمت جزئيا؟
وماذا لا يزال مجرد فرضية تحتاج إلى دليل أو وثيقة جديدة قد يفرج عنها في السنوات المقبلة؟
فهناك فرق كبير بين هذه المستويات الثلاثة
حين كنت أكتب مقالاتي القديمة كان البحث عملية مختلفة تماما عن اليوم
كنت أشتري الكتب وأبحث عن المراجع وأترجم أجزاء من الكتب والوثائق وأقارن رواية برواية أخرى وأحاول الربط بين معلومات موجودة في مصادر متفرقة
أما اليوم تغيرت الأدوات بصورة هائلة
أرشيفات حكومية أصبحت متاحة على الإنترنت ووثائق أمريكية منشورة رسميا ومواد من وكالات الاستخبارات المركزية وأرشيفات إسرائيلية أتاحت على مراحل وثائق ومواد لم تكن متاحة للباحث العادي بالسهولة نفسها
كما أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي تساعد الباحث في البحث والترجمة والمقارنة والوصول إلى المواد الأولية بصورة أسرع
ومن هنا نبدأ إعادة قراءة حرب أكتوبر
هل كانت أمريكا مجرد وسيط أثناء الحرب؟
وهل كانت حرب أكتوبر جزءاً من إعادة هيكلة المنطقة سياسيًا ومن إعادة تشكيل النظام الاقتصادي العالمي؟
ولكن قبل التحدث عن الحرب نفسها, كيف كان الوضع في المنطقة, وهل كان فيه مساعي للسلام من الجانبين أم لا
هل كان الحل السياسي للحرب موجودًا على الطاولة بالأساس قبل أكتوبر 1973؟
دعونا نعود إلى سنة 1971.
بعد حرب الاستنزاف، كانت قناة السويس مغلقة، وإسرائيل ما زالت تحتل سيناء، والمفاوضات من خلال مبعوث الأمم المتحدة جونار جارنج وصلت إلى طريق مسدود.
وفي 4 فبراير 1971، خرج السادات أمام مجلس الأمة المصري بمبادرة لافتة, وهي استعداده لتمديد وقف إطلاق النار، لكن بشرط أن يكون هناك تقدم حقيقي في جوهر المشكلة خلال هذه الفترة.
ما هي اقتراحات السادات ؟
السادات اقترح انسحاب إسرائيلي جزئي من الضفة الشرقية لقناة السويس كمرحلة أولى، على أن يتم لاحقًا إعداد جدول زمني لتنفيذ باقي بنود القرار 242.
وفي المقابل، إذا تحقق هذا الانسحاب، كانت مصر مستعدة للبدء فورًا في تطهير قناة السويس وإعادة فتحها للملاحة الدولية.
لكن جولدا مائير رفضت وفي ردها أمام الكنيست، قالت بوضوح إن إسرائيل لا ترى الانسحاب من منطقة القناة منفصلًا عن إطار يؤدي إلى إنهاء الحرب بصورة نهائية.
وهنا تبدأ مرحلة مهمة جدًا.
لأن الولايات المتحدة لم تكن مجرد متفرج.
إدارة نيكسون بدأت تتحرك بين القاهرة والأرض المحتلة، ووزير الخارجية وليام روجرز، ومعه مساعده لشؤون الشرق الأدنى جوزيف سيسكو، دخلوا في محاولة لصياغة اتفاق مرحلي بين مصر وإسرائيل.
والوثائق الأمريكية الرسمية تذكر إن واشنطن كانت تريد التوصل لاتفاق مؤقت حول قناة السويس، يتضمن انسحابًا إسرائيليًا مرحليًا، وإعادة فتح القناة، ويكون خطوة في اتجاه تسوية أوسع.
وفي مايو 1971، كتب روجرز أن هدف التحرك الأمريكي كان الحفاظ على عملية صنع السلام، خصوصًا فيما يتعلق باتفاق مؤقت حول القناة
بل إن الوثائق تكشف أن سيسكو كان يعمل على تفاصيل شديدة الدقة: كم تنسحب إسرائيل؟ من يراقب المنطقة؟ وما طبيعة الوجود المصري شرق القناة؟
وفي أغسطس 1971، ذهب جوزيف سيسكو الى فلسطين المحتلة وتقابل مع جولدا مائير.
وكان على الطاولة تصور أمريكي لاتفاق من مرحلتين.
المرحلة الأولى:
أن تنسحب اسرائيل حوالي عشرة كيلومترات من قناة السويس، وخلال ستة أشهر يتم تطهير القناة وتجهيزها لإعادة الملاحة، مع وجود مراقبين دوليين
ثم تأتي المرحلة الثانية:
أن تنسحب إسرائيل إلى خط أبعد، بالقرب من الممرات الاستراتيجية في سيناء، على أن يُسمح لمصر بالانتشار في جزء من المنطقة التي تنسحب منها اسرائيل, ولكن بأعداد محدودة جدًا.
والوثيقة الأمريكية التي سجلت محادثات سيسكو مع جولدا مائير حددت الرقم بـ:
750 جندي مصري مسلحين ببنادق.
لكن المفاجأة أصلا أن هذا الرقم لم يكن أصل الفكرة المصرية.
السادات كان يريد مجرد رمز سياسي.
كان يريد مجرد عبور لقوات مصرية إلى شرق القناة، لأن مجرد وجود جنود مصريين على الضفة الشرقية كان معناه أن مصر استعادت موطئ قدم على أرضها المحتلة، وأن حالة الجمود التي أعقبت حرب 1967 بدأت في الانهيار.
وهنا، بعد سنوات من الواقعة، روى جوزيف سيسكو بنفسه الحوار اللي دار بينه وبين جولدا مائير.
قال لها، بحسب شهادته في تاريخه الشفهي
“Look, we’re only talking about 500 riflemen crossing the Suez Canal. What Sadat needs is merely political symbolism.”
وهو ما يعني:
“احنا بنتكلم بس عن 500 جندي مصري يعبروا قناة السويس. كل ما يحتاجه السادات هو مجرد رمز سياسي”.
سيسكو قال إنهم أمضوا يومين في مفاوضات مكثفة، لكن جولدا مائير كانت متعنتة جدا ولم تقبل الصيغة، رغم أن بعض وزرائها كانوا أكثر استعدادًا لقبولها.
يعني الفكرة كانت موجودة وبعرض من السادات نفسه بس طبعا كان لازم له ديكور … حرب صغيرة وعبور ووجود رمزي عشان الشعوب تقتنع
والأهم من هذا أن الوثائق الأمريكية نفسها تؤكد أن السادات لم يكن يتعامل مع فتح قناة السويس باعتباره نهاية الصفقة.
كان ينظر لها كخطوة داخل تسوية أوسع.
حيث ذكر وزير الخارجية روجرز أن السادات كان يرى اتفاق القناة في إطار تسوية شاملة، وأن فتح القناة كان وسيلة أفضل للوصول إلى اتفاق نهائي، وليس هدفًا منفصلًا بذاته
في فبراير 1971، قدمت مصر إلى مبعوث الأمم المتحدة التزامات تتعلق بإنهاء حالة الحرب، واحترام سيادة الطرف الآخر، والاعتراف بالحق في العيش بسلام داخل حدود آمنة ومعترف بها، وضمان حرية الملاحة في قناة السويس.
وهو ما يعني وجود تصور سياسي بالفعل يجمع بين الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء حالة الحرب والتسوية السياسية وقناة السويس, لكن اسرائيل هي من كان ترفض الصيغة, ولكن أمريكا استمرت في محاولة تقريب المواقف
لكن الواقعة نفسها تطرح سؤالًا أكبر.
إذا كان هناك، منذ 1971، تصور أمريكي ــ مصري ــ للتوصل إلى انسحاب إسرائيلي مرحلي، وإعادة فتح قناة السويس، ووجود مصري رمزي شرق القناة، ثم الانتقال إلى تسوية أوسع, وإذا كان السادات نفسه قد طرح مبادرة تقوم على الانسحاب والتسوية؟ إذا كانت الولايات المتحدة قد حاولت إقناع إسرائيل بهذا المسار, ثم فشلت كل هذه المحاولات فماذا حدث بعد ذلك؟
(جدير بالذكر، ان عام 1971، كيسنجر كان مستشاراً للأمن القومي فقط وكان بينه وبين روجرز صراع فكان كيسنجر يتعمد افشال مبادرة روجرز، لأنه كان يريد احتكار الملف لنفسه وتولى وزارة الخارجية في سبتمبر 1973، أي قبل الحرب بأسابيع قليلة.)
أما ما حدث بعد ذلك, فبعد عامين اندلعت حرب أكتوبر!
وهنا تبدأ القصة التي نحاول اعادة قراءتها.
لم تعد القصة بالنسبة لي من عبر ومن انتصر
بل أصبح سؤال أكبر, وهو ماذا كانت الأهداف السياسية التي أرادها السادات من الحرب؟
وهل كانت الحرب، في أحد أبعادها، وسيلة لكسر الجمود الذي فشلت الدبلوماسية في كسره قبل أن يتسلم كيسنجر خيوط اللعبة بالكامل؟
والأهم:
هل كان المطلوب انتصارًا عسكريًا شاملًا, أم نجاحًا عسكريًا محدودًا يعيد مصر إلى شرق القناة، ويكسر آثار هزيمة 1967، ثم يفتح الباب أمام تسوية سياسية؟
وهو سؤال مهم، لأن بعض الدراسات اللاحقة لحرب أكتوبر بالفعل أثبتت أن استراتيجية السادات كانت قائمة على حرب محدودة تحقق مكسبًا عسكريًا وسياسيًا، وتدفع الولايات المتحدة إلى الدخول بقوة في عملية سياسية ( المصادر في التعليقات)
نأتي هنا لبعض الأطروحات التي كتبتها والوثائق والتاريخ انصفني فيها
في 6 اكتوبر 2015 كتبت مقالاً عن حقيقة استخدام سلاح البترول العربي في حرب أكتوبر وأن الموضوع بالكامل كان مخططاً له وأن وزير البترول السعودي وقتها الشيخ زكي اليماني ذكر تفاصيل الخطة الأمريكية التي كانت تهدف الى ترويج النفط الأمريكي ولكن بصورة يقبلها المواطن في أمريكا وأوروبا, وان من نتائج حرب أكتوبر كانت تغيير النظام العالمي الذي كان يعتمد على نظام بريتون وودز, وتدشين ربط الدولار بالنفط وهو ما يعرف بالبترو دولار
البعض وقتها تهكم علي, ولكن مالا يعرفه البعض أن نظام Bretton Woods كان قد بدأ تفكك قبل أكتوبر 73 خصوصا بعد قرار الرئيس الأمريكي Nixon في أغسطس 1971, وبالتالي ساعدت حرب أكتوبر في تثبيت نظام جديد وهو إعادة تشكيل الاقتصاد وتدوير الدولار وهو ما يعرف بالبترودولار
وفي وثائق وزارة الخارجية الأمريكية توجد نقاشات قبل الحرب نفسها في أغسطس 73 حول اعتماد الولايات المتحدة المتزايد على النفط العربي وضرورة زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على النفط العربي ثم في 6 أكتوبر 73 نفسه أي يوم اندلاع الحرب كانت واشنطن بالفعل تناقش في هذه الوثيقة احتمال استخدام النفط كسلاح وكانت السعودية تحديدا هي مفتاح النفط, مثلا وثيقة في أبريل 73 قبل الحرب بستة أشهر كانت تناقش تدفق عائدات النفط إلى الدول المنتجة وقدرت أن السعودية يمكن أن تحصل على نسبة ضخمة من هذه الأموال, ثم بعد الحرب مباشرة نجد وثائق أمريكية تتحدث عن كيفية التعامل مع السعودية وأزمة النفط, وفي مارس 74 كان كيسنجر نفسه يناقش مع المسؤولين السعوديين علاقة طويلة المدى بين الولايات المتحدة والسعودية لا تكون مرتبطة فقط بالنفط, والأكثر إثارة أن وثائق يناير 74 توثق نقاشا سعودية امريكيا حول إنهاء المقاطعة النفطية وربطها بالتقدم في التسوية العربية الإسرائيلية
الأهم أن هناك وثائق اليوم تثبت أن اجتماع بيلدربيرغ الذي حدثتكم عنه عقد بالفعل كما قلت في السويد في مايو 73 وكان يضم نحو 80 مشارك من السياسيين ومن أعضاء الحكومات والبنوك والصناعة والطاقة وغيرها, وكانت أجندة الاجتماع الرسمية تتضمن, تطور سياسة الطاقة الأوروبية وأثرها على العلاقات الأوروبية الأمريكية الشمالية, وفيها إثبات لكل الأسماء التي ذكرتها سنة 2015. كانت نتيجة هذا الاجتماع هو ارتفاع هائل في عائدات نفط الشرق الاوسط وأن أحد العروض تحدث عن أزمة في تكاليف الطاقة يمكن أن تهدد النظام النقدي العالميلإحداث صدمة النفط حسب ما جاء في كتاب وليام انجدال الذي كان مصدرا لمقالي المذكور
كلامي في هذا المقال عن موضوع النفط وربطه بالدولار لم يكن يصدقه أحد ولكن اليوم لدينا وثائق أمريكية رسمية تكشف أن واشنطن كانت تفكر في تقديم أدوات استثمار خاصة للسعودية منها سندات والتزامات خاصة من الخزانة الأمريكية يمكن أن تكون جذابة للسلطات السعودية, ثم لدينا وثائق لاحقا توضح أن السعودية بالفعل استثمرت جزءا مهما من فوائدها في الولايات المتحدة خصوصا في الأوراق الحكومية
وفي 24 أكتوبر 73 أي أثناء الحرب يوجد محضر الاجتماع كيسنجر مع مسؤولين أمريكيين يتحدث صراحة عن النفط ويقول فيه كيسنجر ” It’s too early let’s wait until the scenario unfolds”
الوثائق الأمريكية الرسمية تظهر أيضا أن كيسنجر كان يعمل على إعادة ترتيب العلاقات الأمريكية السعودية أثناء الحرب وبعدها
في أكتوبر سنة 73 كان السعوديون يربطون رفع الحظر بتحقيق التسوية السياسية, وفي نوفمبر كان وزير النفط السعودي أحمد زكي يماني يرسل رسائل عن شروط إنهاء الحظر, وفي يناير 74 هناك وثيقة تسجل أن السادات نفسه نقل إلى السعودية اقتراحاً بمنح الولايات المتحدة وضع الدولة الأولى بالرعاية في الحصول على النفط بالتزامن مع فك الاشتباك وأن السادات قال أن كيسنجر وافق على هذا الترتيب
وفي يناير سنة 2017 كتبت مقالا بعنوان حرب أكتوبر ودبلوماسية كيسنجر
كان السؤال الأساسي في مقالي هل كان هنري كيسنجر مجرد وزير خارجية أمريكي يحاول إنهاء حرب اندلعت بالفعل أم كان ينظر إلى الحرب باعتبارها أزمة يمكن استخدامها لإعادة ترتيب المنطقة سياسيا؟
وسؤالي الآخر كان: كيف كانت نظرة السادات نفسه للحرب وكيف ولماذا قبل على نفسه الذهاب إلى الكينيست رغم أنه من المفترض أنه انتصر في حرب أكتوبر؟
وقتها كان ذلك تحليلا مبنيا على المصادر المتاحة آنذاك
لكن بعد ذلك ظهرت وثائق أمريكية شديدة الأهمية من أبرزها وثيقة رسمية منشورةضمن مجموعة “ Foreign Relation of the United States” التابعة لوزارة الخارجية الأمريكية, مؤرخ في 13 أكتوبر 1973
أي بعد أسبوع تقريباً من بداية الحرب
الاجتماع كان اجتماعاً خاصاً لمجموعة واشنطن الخاصة المعروفة باسم W S A G, ( وهي اختصار عبارة Washington Special Actions Group أو مجموعة العمل الخاصة في واشنطن أي مجموعة خاصة باتخاذ القرار
والوثيقة هي تفريغ للحوار الذي دار في هذه الجلسة
الوثيقة ممهورة بعبارة (لا مانع لدى السي آي إيه من الكشف عن الوثيقة واتاحتها)
الاجتماع حضره وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر هو وزير الدفاع جيمس شليسنجر ورئيس هيئة الأركان المشتركة توماس مور ومدير وكالة الاستخبارات المركزية وليام كولبي الى جانب مسؤولين أمريكيين كبار
وفي الاجتماع قال كيسنجر جملة شديدة الأهمية: ” كان لدينا هدفين في الحرب”
ثم شرح أن الهدف الأول كان الحفاظ على الاتصال بالطرفين وأن أفضل نتيجة من وجهة نظر واشنطن هي انتصار إسرائيلي لكن بثمن باهظ بما يكفي لدفع إسرائيل للتيقن بأن ضمان أمنهم لا يأتي إلا من خلال المفاوضات وليس القوة العسكرية وحدها
أما الهدف الثاني حسب قوله,” أننا حاولنا أن ننتج موقفاً يدرك فيه العرب أن الطريق الوحيد للسلام يمر عبرنا. ولكن خلال الحرب كان علينا أن نظهر للاسرائيليين أن عليهم الاعتماد علينا ليكسبوا وأنهم لم يكونوا ليكسبوا لو ادرنا لهم ظهورنا. “
هذه الوثيقة مهمة جدا وليس شرطا أن تقول الوثيقة أن كيسنجر خطط لاندلاع الحرب في 6 أكتوبر
ولكنها تقول شيئا آخر بالغ الأهمية, وهو أن الولايات المتحدة أثناء الحرب نفسها لم تكن تتعامل معها باعتبارها مجرد معركة عسكرية بين مصر وسوريا وإسرائيل, وإنما كانت تفكر في طبيعة الانتصار وتكلفته وما سيحدث بعد الحرب ومن سيخرج منها وهو أكثر احتياجاً إلى واشنطن
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد من انتصرعلى الأرض؟
إسرائيل تنتصر… ولكن ليس انتصارا بلا ثمن!
في الوثيقة نفسها يوضح كيسنجر أن المصالح الأمريكية ليست مع المصالح الإسرائيلية
فالولايات المتحدة تريد انتصاراً إسرائيلياً يؤدي في النهاية إلى توجه العرب نحو واشنطن بينما تريد إسرائيل الإلتزام الأمريكي بمصالحها
ثم يناقش الاجتماع الإمدادات العسكرية والجسر الجوي إلى إسرائيل وكيف يمكن إدارة الدعم العسكري بالتوازي مع إدارة الحرب سياسيا
وهذا ليس استنتاجاً مبنياً على ما حدث بعد سنوات وإنما كلام مسؤولين أمريكيين في اجتماع مغلق أثناء الحرب
هل كان ذلك موقفاً عابراً؟
بالطبع لأ, ففي اليوم التالي تقريبا 14 أكتوبر 1973 انعقد اجتماع آخر للـ WSAG وفيه قال كيسينجر إن الأفضل أن تنتصر إسرائيل بسرعة وبدون تكاليف باهظة لكنه في الوقت نفسه لم يكن يريد أن تصبح إسرائيل غير قابلة للضغط سياسياً
ثم ظهرت فكرة أخرى شديدة الوضوح وهي إن أفضل نتيجة هي أن يقتنع العرب بأن الولايات المتحدة هي الطرف القادر على حل المشكلة
إذن لدينا تصور أمريكي واضح: الحرب ليست نهاية في حد ذاتها, والنتيجة السياسية للحرب جزء من إدارة واشنطن للأزمة.
هذه الوثيقة باختصار تثبت أن واشنطن كانت تدير الحرب باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب النفوذ السياسي بعد المعركة
ماذا كانت تفعل واشنطن قبل اندلاع الحرب؟
إذا أردنا اختبار أي فرضية تتعلق بالتخطيط مسبق للحرب فعلينا أن نبحث عن الأدلة قبل 6 أكتوبر وليس بعده
وهنا تظهر وثائق أمريكية مهمة
في صباح 6 أكتوبر 1973 وقبل اندلاع القتال أجرى هنري كيسنجر اتصالا بوزير الخارجية المصري محمد حسن الزيات والذي كان موجوداً في نيويورك في ذلك الوقت, وأبلغه كيسنجر بأن الولايات المتحدة تلقت تقريرا استخباراتياً موثوقاً فيه يفيد بأن القوات المصرية والسورية تستعدان لهجمات خلال الساعات التالية
كما نقل إليه أن إسرائيل أبلغت واشنطن بأنها لا تنوي شن هجوم وأن كيسنجر نفسه قال للإسرائيليين أن الولايات المتحدة لا تريد أن تبدأ إسرائيل بالهجوم
وفي صباح اليوم نفسه, أرسلت الخارجية الأمريكية رسالة من كيسنجر إلى الملك فيصل والملك حسين, تفيد بأن واشنطن تلقت من الإسرائيليين تقريرا عن هجوم مصري سوري منسق خلال الساعات التالية, وأن الولايات المتحدة طلبت من إسرائيل عدم شن ضربة استباقية, ومن مصر عدم شن الهجوم
هذه الوثائق تثبت أن واشنطن كانت تتلقى تحذيرات جدية عن هجوم وشيك قبل القتال
وبعد بداية الحرب بساعات تحدث كيسنجر مع الكسندر هيج, وقال إن المصريين عبروا القناة في عدة نقاط, وأن السوريين تقدموا في الجولان, ثم قال بوضوح, ” علينا أن نفترض هجوما عربياً”
الوثائق تقول باختصار أن واشنطن كانت تملك المعلومات والتحذيرات
لكن السؤال الذي يمكن أن يتبادر إلى ذهن الشخص العادي, هو: ما الذي كانت تعرفه واشنطن بالضبط, وكيف فسرت هذه المعلومات؟
هنا أود أن أنوه لأمر مهم جدا, حتى لا يلتبس الأمر على البعض. قد تلاحظون اختلافاً في الوثائق الأمريكية المفرج عنها بخصوص هذه الفترة, والسبب باختصار ان المؤسسات الأمريكية لا تعمل معاً ولذلك تجد السي اي ايه معنية بالتحليل الاستخباراتي للمعلومات التي تصلها, في الوقت الذي تجد فيه الخارجية الأمريكية وكيسنجر هم من يقومان بتحريك الحرب والتخطيط لها
وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية C I A نشرت لاحقا دراسة تاريخية عن دور الاستخبارات في حرب 73
وتخلص الدراسة الى أن معلومات وتحذيرات عديدة كانت موجودة قبل الحرب, وأن المشكلة لم تكن ببساطة غياب المعلومات وإنما في تفسيرها وتقييمها.
ووصفت الدراسة المعلومات بأنها كانت كثيرة ومقلقة وفي أحيان كثيرة دقيقة, لكنها لم تتحول إلى تقدير صحيح بأن الحرب أصبحت وشيكة
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية
وجود المعلومات شيء وتفسير المعلومات شيء آخر
وكلامي هنا ليس قراءة صحفية لاحقة بل مراجعة تاريخية منشورة من المؤسسة الاستخبارات الأمريكية نفسها
إسرائيل…. وهنا تبدأ قصة الخداع
منذ سنوات كنت اطرح في مقالاتي فكرة أن مصر لم تبذل جهدا كبيرا لإقناع إسرائيل بأن الحرب لن تقع, وأن فكرة الخداع الاستراتيجي التي أقنعونا به, وأنه كان جزءاً أساسيا من التحضير للحرب لم يكن حقيقيا, وأن كيسنجر كان على علم كامل بكل خطوة, بل يعتبر هو المخطط أو المهندس الاستراتيجي, وأن إسرائيل كانت تعلم بموعد الحرب من مصادر عديدة, حتى وان كشفت الوثائق الإسرائيلية عكس ذلك في مرحلة ما, حفاظا على ماء الوجه, ولنفي شبهة تواطؤ وزير دفاعها آنذاك (موشيه ديان) لتحقيق العرب نصراً جزئيا في بداية الحرب على أن تنتهي الحرب يوم 24 أكتوبر بانتصار إسرائيل حتى يدخل العرب واسرائيل في مفاوضات سلام, كما أوضح كيسنجر في الوثيقة التي أشرت إليها في بداية مقالي
عموما كان هذا الاستنتاج مبنياً على قراءة مجموعة من المصادر والمذكرات والوقائع المتاحة في ذلك الوقت
لكن في سبتمبر سنة 2023 حدث تطور مهم جدا, فبمناسبة مرور 50 عاما على حرب أكتوبر, أفرج الأرشيف الإسرائيلي عن مجموعة كبيرة من الوثائق والتسجيلات والمواد المتعلقة بالحرب بما في ذلك مواد من مكتب رئيسة الوزراء جولدا مائير كما نشر الموساد لاحقا مواد مرتبطة بما قبل الحرب وأيامها الأولى وهنا بدأت تظهر تفاصيل تعيدنا إلى السؤال القديم نفسه
ماذا كانت القيادة الإسرائيلية تعرف قبل الحرب؟
كشفت إسرائيل عن مجموعة هامة جدا من الوثائق, والأدلة المتعلقة بالحرب بما فيها, تقديرات الاستخبارات الإسرائيلية مرتبطة بالأسابيع السابقة الحرب كذلك يوميات العميد يونيل بن بورات الذي كان مسؤولا عن وحدة التنصت والاستخبارات الإلكترونية في الجيش الإسرائيلي
تكشف المواد التي أفرج عنها أن القيادة الإسرائيلية كانت أمام تحركات مصرية وسوريا واسعة وكانت تناقش ما إذا كانت هذه التحركات استعدادات حقيقية للحرب أم استعراضا أم إجراءات دفاعية بسبب الخوف من إسرائيل
وفي الوقت نفسه, كان هناك قلقاً حقيقياً داخل القيادة من احتمال اندلاع الحرب لكن التقديرات الاستخباراتية السائدة بما أصبح معروفا لاحقا باسم ” المفهوم” أي الاعتقاد بأن مصر وسوريا لن تبدأ حبا في الظروف القائمة
وهنا تظهر نقطة مهمة بالنسبة لي, لأن هذا هو بالضبط الجزء الذي كنت أتناوله في مقالاتي السابقة قبل سنوات
ليس لأن الوثائق الجديدة أثبتت كل ما كتبته وإنما لأنها اعطتنا نافذة داخلية على النقاش الذي كان يجري بالفعل داخل القيادة الإسرائيلية والضربة الاستباقية
صباح 6 أكتوبر, وبعد وصول معلومات عن هجوم وشيك, كان موضوع الضربة الاستباقية حاضراً في النقاش الإسرائيلي, لكن إسرائيل قررت عدم المبادرة بالضربة وكان العامل السياسي والدبلوماسي حاضرا بقوة في القرار لأن القيادة الإسرائيلية كانت تخشى أن تبدو أمام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي باعتبارها الطرف الذي بدأ الحرب
وهذه نقطة شديدة الأهمية فالصورة ليست ببساطة أن إسرائيل لم تكن تعرف شيئا وليست أيضا أن إسرائيل كانت تعرف كل شيء وسمحت بالحرب
الصورة التي تكشفها الوثائق أكثر تعقيدا
كانت هناك معلومات تحذيرات وكان هناك شك, وكان هناك نقاش حول احتمال الحرب لكن التقييم السائد لم يصل إلى التعامل مع الهجوم باعتباره مؤكدا قبل فوات الأوان وعندما أصبح الهجوم وشيكا كان القرار السياسي هو عدم المبادرة بضربة استباقية
أشرف مروان الذي حذر قبل الحرب!
وهنا نصل إلى ملف أشرف مروان الذي كتبت عنه أيضا قبل الكشف عنه بسنوات
في 5 أكتوبر سنة 73 التقى أشرف مروان برئيس الموساد تسفي زامير في لندن, وبحسب المواد التي نشرها الموساد لاحقا, نقل مروان تحذير من احتمال اندلاع حرب في اليوم التالي بالتزامن بين مصر وسوريا, وتقول الرواية الإسرائيلية المنشورة إن زامير نقل التحذير إلى إسرائيل فورا
هذه الوثيقة مهمة للغاية لأنها تجعل من الصعب اختزال قصة الحرب في عبارة إن إسرائيل لم تكن تعرف شيئا وأنه كانت هناك خطة للخداع الاستراتيجي
ولذلك يكون السؤال المنطقي هو, ماذا فعلت إسرائيل بهذه المعلومة وكيف قيمتها في ضوء تقديراتها السابقة؟
والسؤال الأكثر أهمية هل كان الخداع المصري حقيقياً؟
هنا أصبحت الأدلة المنشورة أقوى بكثير من أي تساؤل
فالرواية تقول ان مصر وسوريا نفذتا عملية خداع لإخفاء الاستعدادات الحقيقية للحرب, والوثائق الإسرائيلية التي ظهرت لاحقا تكشف أن القيادة الإسرائيلية كان لديها معلومات عن بدء الحرب وأن أشرف مروان أوصل المعلومة كاملة, بل ان الملك حسين ملك الأردن طار للأراضي المحتلة ليخبر جولدا مائير باستعدادات مصر وسوريا للحرب وبموعد الحرب قبلها بـ 11 يوم
وفي نفس الوقت الوثائق الإسرائيلية تقول أنه كانت هناك محاولات لتفسير هذه الاستعدادات وأن بعض تقديراتها رأت أنها قد تكون دفاعية أو استعراضية لا استعدادا لحرب
الوثائق تكشف أيضا عوامل داخلية واستخباراتية وافتراضات سابقة, وتقييمات خاطئة وعدم الرغبة في اتخاذ قرارات عسكرية والسياسية كبرى بناء على معلومات لم تكن القيادة وقتها تعتبرها حاسمة
وهنا نرجع إلى السؤال القديم
هل كان الهدف من الخداع المزعوم أن تصل إسرائيل إلى نتيجة محددة أن مصر لن تحارب وبالتالي تسمح بأن تبدأ مصر بالحرب تحقيقا لما قاله هنري كيسنجر في الوثيقة التي ذكرتها في بداية هذا المقال؟
كيسنجر مرة أخرى!!
في صباح يوم 6 أكتوبر كانت واشنطن تتلقى تحذيرات, وكانت تحاول منع إسرائيل من الضربة الأولى, وفي الوقت نفسه كانت تحاول منع مصر من بدء الهجوم
وبعد اندلاع الحرب, والعبور العظيم الذي نفذه الجنود المصريين والذي أربك حسابات كيسنجر, تحولت واشنطن إلى إدارة أزمة شديدة التعقيد حسب وثائقهم, وهي إمدادات عسكرية لإسرائيل واتصالات مع العرب واتصالات مع السوريين ومحاولات لمنع توسع الحرب وتفكير في شكل التسوية السياسية التي ستأتي بعدها
وبعد أسبوع كان كيسنجر يتحدث صراحة عن أهداف أمريكية عن الحرب نفسها
إذا هناك مرحلتين مختلفتين, قبل الحرب إنذار, معلومات, ومحاولات لمنع التصعيد, أثناء الحرب: إدارة أمريكية مكثفة للميدان والسياسة معا من خلال مهندس الحرب هنري كيسنجر
الوثائق الأمريكية تعطي إجابة مهمة جدا
أما على المستوى الاستخباراتي، فالمعلومات كانت موجودة قبل الحرب
وفي صباح 6 أكتوبر كانت واشنطن تتلقى تقرير عن هجوم وشيك
التاريخ يقول أن C I A كشفت في دراسة لها أن محلليها ظلوا أسرى افتراضات معينة حول القدرات والنوايا العربية, حيث كانت هناك معلوماتولكن لم تكن هناك قناعة كاملة بأن الحرب ستقع بالفعل
التاريخ يقول أيضاً لنا من خلال الوثيقة التي كشفت عنها إسرائيل سنة 2023 أن هناك معلومات وتحذيرات وصلتها من أشرف مروان وأنه كان هناك نقاش داخل القيادة وكان هناك تقدير استخبارات سائد بأن الحرب ليست وشيكة
وفي اللحظة الأخيرة أصبح خطر الحرب أكثر وضوحا لكن إسرائيل لم تضرب أولا لأسباب سياسية ودولية, واعتقادي أن هذه الأسباب, هي رغبة كيسنجر في تحقيق نصر كبير يعوض العرب عن هزيمة يونيو 67 في بداية الحرب لمصر والجانب العربي ثم في اللحظة المناسبة تحقيق نصر لإسرائيل, ليكون مناسباً فيما بعد الجلوس على مائدة المفاوضات, وقد كان
لأن ما كشفته الوثائق عن دور أمريكا أثناء الحرب يظهر نقطة مهمة جدا
في 13 أكتوبر73, كيسنجر لم يتحدث فقط عن وقف إطلاق النار, بل يتحدث عن الانتصار الإسرائيلي و تكلفته والإمداد والعلاقة مع العرب والسوفييت, التسوية السياسية بعد الحرب, ويقول صراحة, أن أحد الأهداف هو جعل العرب يصلون إلى قناعة بأن الطريق إلى السلام لابد أن يمر عبر الولايات المتحدة
وفي 14 أكتوبر73 يستمر النقاش حول كيفية تحقيق انتصار إسرائيلي من دون أن تصبح إسرائيل غير قابلة للضغط سياسيا
وهذا يكشف بوضوح أن واشنطن لم تكن مجرد وسيط ينتظر إنهاء المعارك, بل كانت فاعلاً رئيسياً في إدارة الأزمة, وفي تشكيل المسار السياسي الذي سيأتي بعدها
هل كانت الحرب وسيلة لإعادة تحريك العملية السياسية؟
كنت اطرح هذا السؤال منذ سنوات, حيث الوضع الذي سبق حرب أكتوبر كان مسدوداً. إسرائيل كانت تريد الأمن والاعتراف, والدول العربية كانت تريد الأرض والثأر لما حدث في هزيمة يونيو 67. وكل طرف يرى أن مطالبه لا يمكن أن تتحقق بشروط الطرف الآخر
فهل كانت الحرب قادرة على كسر هذا الجمود واعادة تحريك العملية السياسية؟
تصف دراسة منشورة في معهد بروكينغز بأن حرب محدودة هدفها العبور وإنشاء موطئ قدم شرق القناة بما يدفع إسرائيل وامريكا إلى الدخول في مسار دبلوماسي, وتقول أن الشعور المصري بالانجاز الذي صنعه العبور ساعد السادات لاحقاً على الانتقال إلى السلام, بل أن دراسة عسكرية أمريكية نُشرت على موقع (معهد الحرب الحديث) وضحت إن استراتيجية السادات بأنها تقوم على حرب محدودة تجبر الخصوم على الدخول في عملية سياسي وتربط النجاح العسكري برأسمال سياسي مكن السادات من التفاوض
والأكثر أهمية أن وزارة الخارجية الأمريكية نفسها تقول أن حرب أكتوبر مهدت الطريق لدبلوماسية كيسنجر ثم معاهدة السلام عام 1979
فالوثائق الأمريكية توضح بجلاء أن كيسنجر كان يرى الحرب باعتبارها حدثا يمكن أن ينتج وضعا سياسيا جديدا وأن الولايات المتحدة يجب أن تكون في مركز هذا الحدث
بل أن هناك بحثاً أكاديميا سابقا, اعتمد على وثائق أرشيفية خلص إلى أن السادات قدم في فبراير 1973 مبادرة سلام سرية عبر حافظ إسماعيل إلى كيسنجر, وأن رفض القيادة الإسرائيلية لها ساهم في جعل الحرب خياراً لاحقاً
وهنا يعود سؤالي القديم: هل كانت حرب أكتوبر 73 مجرد حرب, أم أنها منذ اللحظة التي بدأت فيها, على الاقل أصبحت جزءا من عملية سياسية أكبر؟
منتصف أكتوبر.. عندما تغيرت صورة الحرب!!
حرب أكتوبر بدأت بصورة مختلفة تماما عما انتهت إليه.
في الأيام الأولى كان هناك انتصار مصري وسوري ابهر العالم من حيث قدرات الجندي المصري ( الجندي المصري دخل هذه المعركة دفاعا عن ارضه ونصرة لدينه وثأراً لدماء أريقت في هزيمة 67 وهو ما لم يحسب حسابه السادات وموشيه ديان وكيسنجر) وكانت إسرائيل في وضع صعب, ثم تغيرت الصورة تدريجيا, وفي يوم 14 أكتوبر بدأ التحول العسكري حيث اتخذ قرار تطوير الهجوم المصري نحو المضايق ويوم 16 اكتوبر بدأت الثغرة والتي انتهت بوجود قوات إسرائيلية غرب القناة ومحاصرة الجيش الثالث
في المرحلة الأخيرة من الحرب أصبحت المعركة مرتبطة بصورة مباشرة بالدبلوماسية الدولية, وتظهر الوثائق الأمريكية تدخل هنري كيسنجر في الاتصالات المتعلقة بالجيش الثالث والحاجة إلى ترتيبات سياسية وميدانية تمنع تحول الوضع إلى كارثة أكبر, وهنا تظهر مرة أخرى العلاقة بين الميدان والسياسة, فالمعركة لم تكن منفصلة عن مجلس الأمن ولا عن واشنطن ولا عن موسكو ولا عن المفاوضات
إذن ماذا أثبتت الوثائق؟
لنعد إلى السؤال الذي بدأنا به
أنا كتبت منذ سنوات أن حرب أكتوبر وراءها طبقة سياسية أكبر من مجرد مصر ضربت أو عبرت, وإسرائيل ردت ثم تدخلت أمريكا بعد ذلك
فهل تؤكد الوثائق المتاحة اليوم وجود طبقة سياسية واستراتيجية أكبر؟
أقول لك بكل وضوح نعم
هذا واضح جدا في وثائق كيسنجر, فالوثائق التي تناولتها هنا تثبت أن واشنطن كانت تتلقى معلومات تحذيراتقبل الحرب, وتثبت أن إسرائيل وصلتها معلومات وتحذيرات قبل الحرب, وأن سوء التقدير الاستخباراتي والسياسي كان موجوداً
طبعا البعض سيقول ولكن هذه الوثائق لا تثبت كما قالت آيات عرابي من قبل أن الحرب كانت مجرد تمثيلية متفقاً عليها
أقول لهم لأن مفهوم التمثيلية كما شرحت آيات عرابي في عشرات المقالات يختلف تماما عن مفهوم التمثيلية لدى القارئ العادي، بمعنى آخر مفهوم الهندسة السياسية للأزمات يختلف عن كلمة التمثيلية المسرحية التي يعتقدها البعض
وهذا هو سر حرب أكتوبر 73
كلما فتحنا وثيقة نكتشف أننا نحتاج وثيقة أخرى, وكل إجابة للسؤال يبرز معه سؤالا جديداً
اليوم لا أعود لأقول كنت على حق, ولا أقول أن كل الرواية الرسمية خاطئة, ما أقوله أبسط بكثير لكنه في نفس الوقت صعب
فالوثائق المتاحة جعلتنا نرى الصورة اوضح بكثير
وهي أن حرب أكتوبر, كانت حربا ضرورية للجلوس مجددا على مائدة المفاوضات, والتي نتج عنها لاحقا, اتفاقية كامب ديفيد والتي أخرجت مصر وشعبها من معادلة الشأن العربي ومن القضية الفلسطينية برمتها
ومع ذلك ومع الوقوف على هذه الوثائق التي تم الإفراج عنها, فما لم يفرج عنه لا يزال أكثر بمراحل مما أفرج عنه
وفي النهاية كل التحية والإجلال لشهداء حرب أكتوبر من جنود وضباط دفعوا حياتهم ودماءهم, فلا يوجد اصدق من الشهيد وشهداءنا فوق رؤوسنا وفي قلوبنا وقد صدقوا الله فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر
كل التقدير لكل الرجال الأفاضل على قيد الحياة والذين شاركوا في الحرب ولا يحتاج احد للتأكيد على اخلاصهم ونقائهم, فلهم كل التقدير والاحترام
وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

