أردوغان يسب ماكرون

ينتقدني البعض لعدم الكتابة عن تصريح الرئيس أردوغان الناري، الذي وصف فيه ماكرون بـ “ابن الحرام” وقال إنه بحاجة إلى فحص لصحته العقلية.

في الواقع، هذا موقف يستحق عليه الرئيس أردوغان الإشادة.

غير أن المشكلة الوحيدة تكمن في أن مثل هذه التصريحات ستُضاف ببساطة إلى القائمة الطويلة من التصريحات النارية المماثلة؛ تلك التي يمثلها المعسكر “الأحمر” الذي ألفناه في مثل هذه المواقف والقضايا، والذي يُستخدم حصراً لتنفيس الغضب الشعبي.

A pencil drawing of a woman with long hair.

من الأسباب الرئيسية التي جعلتني أحجم عن تناول هذا الموضوع هو أن أردوغان يفعل الشيء ونقيضه تماماً؛ مما يدفع المرء للصمت تجنباً لجرح مشاعر أنصاره الحساسين -الذين يضعونه في مصاف الخلفاء الراشدين ويرفضون أي انتقاد لتصرفاته- رغم أن الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) كان يطلب من الناس… …تصحيح مساره إن أخطأ. وكم يختلف هذا السلوك والموقف عن تصرفات أولئك الذين -إذا انتقدت زعيمهم- يكيلون لك الشتائم والنعوت المسيئة ويوجهون إليك أبشع الاتهامات، متجاوزين في ذلك حتى مطبلي السيسي بمراحل. يثور الرئيس أردوغان ويشتم “ماكرون اللعين” على الهواء وداخل تركيا، مبهراً الجماهير التي تصفق له، ثم تصدر وزارة… إذ أصدرت الخارجية التركية بياناً تؤكد فيه أن سفير تركيا لدى فرنسا قدّم التعازي عقب اغتيال المعلم (وفقاً لبيان الخارجية التركية). إذن، من نصدق؟ هل نصدق أردوغان الذي يشتم ماكرون؟ أم الخارجية التركية التي أكدت أن سفيرها قدّم التعازي في المعلم المقتول؟ أم موقف تركيا المتمثل في إرسال أحمد تشاوش… …داوود أوغلو لحضور جنازة من أساءوا للنبي من صحيفة “شارلي إبدو” عام 2015؟

من نصدق؟

هل نصدق أردوغان الذي يوجه الإهانات لماكرون؟ أم نصدق وزارة الخارجية التركية التي أكدت أن سفيرها قدّم التعازي في مقتل المعلم؟ أم نأخذ في الاعتبار الموقف التركي المتمثل في إرسال أحمد جاويش أوغلو لحضور جنازة موظفي “شارلي إبدو” الذين كانوا قد أساءوا للنبي عام 2015؟

وإذا افترضنا أن هذه الأنباء غير صحيحة -لأن فرنسا نفسها صرحت بأن تركيا لم ترسل رسالة تعزية- فلماذا تُصدر وزارة الخارجية التركية بياناً كهذا إذن؟

وإذا كان الرئيس أردوغان يسعى حقاً للدفاع عن النبي (صلى الله عليه وسلم)، فلماذا لم يسحب سفيره من فرنسا؟ أليس هذا أقل ما يمكنه فعله للذود عن النبي ولضمان اتساق أفعاله مع أقواله؟

A pencil drawing of a woman with long hair.

لم يدعُ أردوغان إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية -ولم يشرع في تنفيذ ذلك- إلا بعد أن كانت الحملة قد اشتعلت بالفعل وبدأت تؤثر على الاقتصاد الفرنسي. باختصار، ما يفعله أردوغان هو ما تطلق عليه وسائل الإعلام “توجيه غضب الشارع” بشأن قضية محددة. وبالطبع، يقترن هذا بحالة الخيانة الصارخة والتواطؤ التي تبديها كافة الأنظمة. لا بد من وجود نقطة ارتكاز في المنطقة -أو “جزيرة” ما- تجد فيها الشعوب المقهورة ملاذاً ومواساة، معتقدةً أن هناك من سيدافع عن الأمة؛ غير أن هذه في الواقع مجرد تصريحات جوفاء لن تتحول أبداً إلى أفعال ملموسة، باستثناء إجراء واحد يمكننا نحن القيام به: المقاطعة. وعليك أيضاً أن تدرك -وأنت تتابع أخباراً من هذا النوع- أنه… لا توجد قنافذ ملساء. يُعد أردوغان جزءاً من منظومة “الشرق الأوسط الكبير” (وهي حقيقة ثابتة أقر هو نفسه بها)، وله دور محدد: أن يظهر بمظهر “الرجل الطيب” في مقابل مجموعة من العملاء الخونة -وعلى رأسهم السيسي وبشار وحفتر وابن زايد وابن سلمان- الذين فُرضت عليهم أدوارهم من قِبَل مخرج “مسرحية الشرق الأوسط” ليظهروا بصورة “الأشرار”.

عند متابعتك لأخبار من هذا النوع، ينبغي أن تدرك أنه لا يوجد شيء اسمه “قنفذ أملس”.

يُعد أردوغان جزءاً من إطار “الشرق الأوسط الكبير” -وهي حقيقة راسخة أقرّ بها هو نفسه- وله دور محدد: الظهور بمظهر “الطرف الخيّر” في مقابل مجموعة من العملاء الخونة، وعلى رأسهم السيسي… وبشار وحفتر وابن زايد وابن سلمان؛ وهي شخصيات وُضعت في خانة “الأشرار” ضمن إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير.

ومع ذلك، إذا أمعنت النظر في السردية المُروَّج لها وراقبت أفعالهم بدقة، ستجد أن أردوغان -الذي يراه البعض حامياً لسوريا- هو نفسه الذي اعترض على العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة… [أي] الإجراءات الاقتصادية ضد إيران -التي ساهمت في مقتل ملايين المسلمين في العراق وسوريا- بينما كان أردوغان نفسه هو من صافح “الجزّار” بوتين وسلّم إدلب له ولبشار!!

لقد أدى انخداع البعض بأردوغان -ووصفهم لحكمه بأنه إسلامي واعتباره إسلامياً- إلى سلسلة من الكوارث:

وعلى رأس هذه الكوارث… إفراغ شمال سوريا من سكانه خدمةً لمشروع الشرق الأوسط الكبير (“صفقة القرن”).

وتثبيت نظام بشار في السلطة في سوريا بعد مقتل مليون مسلم.

فمنذ عام 2012، وحكومة أردوغان تحث السوريين على التفاوض مع الروس -حتى قبل ظهور الروس على الساحة (وفقاً لشهادة مفاوض سوري في برنامج “الاتجاه”)-؛ وتجدر الإشارة إلى أن عملية إفراغ سوريا من سكانها استغرقت سبع سنوات، وهي عملية لعب فيها أردوغان الدور الأكبر.

إن ما فعله أردوغان في سوريا كان من أخطر الأعمال -وهو أسوأ بكثير من أفعال المجرم السيسي الذي أرسل طياريه من قاعدة حميميم الجوية لقتل السوريين، أو المجرم ابن زايد الذي موّل…-؛ ففيما يتعلق بالضربات الروسية على سوريا، كان دور تركيا هو الأخطر مقارنةً بأدوار هؤلاء الوكلاء. لقد حال تدخل أردوغان في سوريا (في وقت كانت فيه الفصائل تسيطر على أكثر من 80% من البلاد) دون إسقاط فصائل الثورة السورية لبشار، وضغط عليها للدخول في اتفاقيات “خفض التصعيد”، التي تمخض عنها… …مدن سورية محررة، وانتهى الأمر بتسليم 3 ملايين مسلم في إدلب إلى بشار.

والأخطر من ذلك كله هو أن هذا التدخل رسّخ عملية التقسيم الفيدرالي، التي نال بموجبها الأكراد حكماً ذاتياً؛ وهو ما يتماشى مع دراسة استراتيجية إسرائيلية تعود لحقبتي الثمانينيات والتسعينيات، وإن أُدخلت عليها بعض التعديلات. ولذا، فعندما تصدر مثل هذه التصريحات عن أردوغان، فإنني أراها مجرد وسيلة لتنفيس غضب الجماهير؛ تلك الجماهير التي – لولا “المهدئات” السياسية والأيديولوجية التي حُقنت بها لعقود وقوى التغريب – لكانت قد انتفضت وتحركت للدفاع عن النبي (صلى الله عليه وسلم) بطرق تفوق التوقعات بمراحل.

** صور مرفقة وردت عبر صندوق الرسائل **

One thought on “أردوغان يسب ماكرون”

Comments are closed.